هناك كلمات
للرئيس تمر كخبر سياسي عابر، وهناك كلمات تفتح أبوابا واسعة للتأويل والنقاش.
وكلمة الرئيس
عبد الفتاح السيسي في احتفالية المولد النبوي الشريف، الأربعاء الماضى، من النوع الثاني؛
ليس فقط بسبب ما حملته من رسائل حول الأمن القومي والإصلاح وتحسين حياة المواطنين،
ولكن بسبب دعوته الحكومة إلى إعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية التي تحققت خلال
السنوات الماضية، وعرضه على المواطنين في مؤتمر خلال شهر أكتوبر، مع إتاحة الفرصة للمفكرين
والمتخصصين وأساتذة الجامعات للمشاركة، على أن تمتد المناقشات أسبوعا أو عشرة أيام،
وبما وصفه الرئيس بالشفافية والمصداقية.
#وهنا_تبدأ_الحكاية_الحقيقية.
فالمسألة
ليست مجرد مؤتمر جديد.
المسألة
هي..هل نحن أمام محاولة جادة لإعادة فتح نافذة بين الدولة والمواطن؟ أم أمام مؤتمر
آخر ينتهي بانتهاء جلساته؟
وهذا السؤال
ليس عدائيا، ولا يحمل رغبة في التشكيك، وإنما هو السؤال الطبيعي في دولة تقول إن المواطن
هو الهدف النهائي لكل سياساتها.
#أولا: ماذا
تعني دعوة الرئيس في توقيتها؟
الرئيس لم
يقل فقط "اعرضوا الإنجازات".
بل طلب أن
يكون هناك عرض للموضوعات والتحديات والمشروعات التي تم تنفيذها، وأن تستفيض الحكومة
في الطرح، وأن يشارك المتخصصون والمفكرون وأساتذة الجامعات. كما دعا المواطنين المهتمين
إلى متابعة المؤتمر.وهذا مهم جدا.
لأن مجرد
طلب عرض الأموال المنفقة والنتائج المحققة يفتح الباب أمام الانتقال من لغة (المشروعات
التي نفذناها) إلى لغة أكثر أهمية؛
ماذا دفعنا؟
وماذا حصلنا في المقابل؟
وهذه هي
نقطة التحول الحقيقية.
فالمواطن
لا يريد فقط معرفة عدد الطرق التي تم إنشاؤها، ولا عدد المشروعات التي افتتحت، وإنما
يريد أن يعرف..
هل تحسنت
حياته؟
هل انخفضت
تكلفة المعيشة؟
هل أصبح
الحصول على الخدمة أسهل؟
هل تحسنت
جودة التعليم والصحة؟
هل أصبحت
الأسواق أكثر انضباطا؟
هل شعر المواطن
البسيط بأن ثمار التنمية وصلت إلى بيته؟
#ثانيا:أخطر
ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول النقد إلى خصومة شخصية مع الرئيس، أو أن تتحول المساندة
إلى تبرير لكل شيء.
الموقف الأكثر
وطنية هو أن يقول المواطن؛أنا ما زلت أريد النجاح للرئيس والدولة، ولذلك أريد أن أرى
الأخطاء بوضوح قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
فالمؤتمر
يمكن أن يكون مفيدا جدا، إذا تغيرت قواعد اللعبة داخله.
#ثالثا:
المشكلة ليست في المؤتمر.. المشكلة في شكل المؤتمر
مصر عرفت
بالفعل تجربة الحوار الوطني.وقد أُعلنت توصيات المرحلة الأولى في 2023، وبلغت 136 توصية
موزعة على المحاور السياسية والاقتصادية والمجتمعية. كما جرى لاحقا الحديث رسميا عن
آليات لمتابعة تنفيذ المخرجات بالتنسيق مع الحكومة.
إذن السؤال
المنطقي اليوم ليس..
هل نحتاج
إلى الكلام؟
بل؛
ماذا حدث
للكلام السابق؟
وإذا كان
مؤتمر أكتوبر مختلفًا عن الحوار الوطني السابق، فيجب أن تكون هناك إجابة واضحة عن ذلك.
فالمواطن
الذي جلس يتابع جلسات الحوار الوطني سابقا من حقه أن يسأل؛
ماذا نفذ؟
ماذا لم
ينفذ؟
ولماذا لم
ينفذ؟
ومن المسؤول؟
وما الجدول
الزمني؟
وما الذي
تغير على الأرض؟
#رابعا:
من (مؤتمر عرض الإنجازات) إلى (مؤتمر كشف الحساب)
هنا أعتقد
أن الفرصة التاريخية أمام مؤسسة الرئاسة.
لو دخلت
الحكومة المؤتمر ومعها ملفات الإنجازات فقط، فسيكون المؤتمر أقرب إلى مؤتمر عرض أعمال.
أما إذا
دخلت ومعها ثلاثة أعمدة..
ما أنجزناه
ــ ما أخفقنا فيه ــ لماذا أخفقنا؟
فسيتحول
المؤتمر إلى شيء مختلف تماما.
والأهم من
ذلك..
أن تكون
الأرقام قابلة للتحقق.
فلا يكفي
أن تقول الحكومة..
أنشأنا كذا..
وأنفقنا
كذا..
وطورنا كذا..
بل يجب أن
يكون هناك طرف مستقل قادر على السؤال؛
هل هذه الأرقام
صحيحة؟
هل التكلفة
عادلة؟
هل المشروع
حقق العائد المتوقع؟
هل هناك
مشروعات لم تحقق أهدافها؟
هل هناك
قرارات ثبت فشلها؟
وهنا تحديدا
يصبح مفهوم (الشفافية والمصداقية) الذي تحدث عنه الرئيس اختبارا حقيقيا وليس مجرد شعار.
#خامسا:
المواطن الغائب يجب أن يكون الحاضر الأكبر
هذه أهم
نقطة في كل القضية.
النخبة مهمة.
الجامعات
مهمة.
المفكرون
مهمون.
الخبراء
مهمون.
الأحزاب
مهمة.
لكن هناك
شخصا أهم من كل هؤلاء..
المواطن
الذي يدفع ثمن القرار.
العامل الذي
يذهب إلى السوق.
الأب الذي
يدفع مصاريف المدرسة.
الأم التي
تبحث عن علاج.
الشاب الذي
يبحث عن فرصة عمل.
صاحب المعاش.
صاحب المشروع
الصغير.
المزارع.
المعلم.
الطبيب.
الموظف.
سائق التاكسي.
والعامل
الذي يستيقظ كل صباح ليبحث عن رزقه.
هؤلاء يجب
ألا يكونوا مجرد "جمهور يتابع المؤتمر".
بل يجب أن
يكونوا جزءا من صناعة أسئلته.
سادسا: ماذا
لو دخلت الأحزاب إلى المشهد؟وهنا نصل إلى ما نقلته وسائل الإعلام عن كلمة الرئيس يتحدث
عن الحكومة والمثقفين والمفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات وكل المهتمين بمصر وشؤونها،
ولا يقدم صياغة رسمية تقول إن المؤتمر هو (حوار وطني مع الأحزاب) بالمعنى السياسي الدقيق.
لكن لو تقرر
لاحقا توسيع المشاركة لتشمل الأحزاب والقوى السياسية، فهنا يجب ألا تكون مشاركة بروتوكولية.
لا نريد
أحزابا تأتي لتقول..
(كل شيء
ممتاز).
ولا أحزابا
تأتي لتقول..
(كل شيء
كارثي).
نريد أحزابا
تسأل..
لماذا؟
وكيف؟
ومتى؟
ومن المسؤول؟
وما البديل؟
المعارضة
الحقيقية ليست بالصوت العالي، والحكومة الجيدة ليست بكثرة الأرقام.
الدولة تحتاج
إلى الاثنين..
حكومة تقدم
الحساب، ومعارضة تقدم البدائل.
#سابعا:
السؤال الأصعب.. من يحاسب بعد انتهاء المؤتمر؟
إذا خرج
المؤتمر بعشرات التوصيات، فمن يراقب تنفيذها؟
إذا التزمت
الحكومة، فمن يقيس النتائج؟
وإذا فشلت،
من يحاسب؟
هذه الأسئلة
يجب أن تكون جزءا من تصميم المؤتمر قبل انعقاده.
ولذلك أقترح
أن يكون لكل توصية..
جهة تنفيذ
ــ مسؤول محدد ــ مدة زمنية ــ مؤشرات قياس ــ تقرير متابعة ــ جهة رقابية.
وإلا فإننا
سننتج وثيقة جديدة جميلة الصياغة، ثم نضعها في الأدراج.
والتجربة
السابقة نفسها تؤكد أن مسألة المتابعة والتنفيذ ليست تفصيلا ثانويًا؛ فقد سبق أن نوقشت
رسميا آليات متابعة تنفيذ توصيات الحوار الوطني بالتنسيق مع الحكومة.
#ثامنا:
لا ينبغي أن يتحول المؤتمر إلى محاكمة للحكومة فقط
المشكلة
المصرية أكبر من حكومة بعينها.
لدينا تراكمات
اقتصادية وإدارية وتشريعية واجتماعية تمتد لسنوات طويلة.
والرئيس
نفسه تحدث عن مشكلات متراكمة وموروثة عبر العقود، وعن ضرورة وضع حلول جذرية لها.
إذن المطلوب
ألا يتحول النقاش إلى..
مدبولي السبب
في كل شيء.
أو:
الحكومة
وحدها مسؤولة عن كل شيء.
هذا تبسيط
مخل.
لكن في المقابل،
لا يجوز أيضا أن تصبح عبارة (المشكلات الموروثة)جواز مرور لإعفاء المسؤول الحالي من
مسؤولية ما اتخذه من قرارات.
فالماضي
يفسر المشكلة.
لكنه لا
يعفي الحاضر من مسؤولية الحل.
#تاسعا:
أخطر ما يمكن أن يحدث هو (تجميل الواقع)
الرئيس تحدث
عن الصدق والمصداقية، وهي نقطة شديدة الأهمية.
لأن الأزمة
الحقيقية ليست أن تقول الدولة..
(لدينا مشاكل).
الأزمة أن
تقول..
(ليس لدينا
مشاكل).
المواطن
يعرف.
السوق يعرف.
الموظف يعرف.
المستشفى
تعرف.
المدرسة
تعرف.
والشارع
يعرف.
لذلك فإن
المؤتمر الناجح هو الذي يستطيع أن يقول للمواطن..
نعم، أخطأنا
هنا.
نعم، هذا
المشروع لم يحقق المستهدف.
نعم، هذا
القرار يحتاج إلى تعديل.
نعم، هناك
فساد أو قصور في هذه الجهة.
نعم، هناك
مسؤول لم يؤد عمله كما ينبغي.
ثم؛
وهذه هي
خطة الإصلاح.
هنا فقط
تستعيد الدولة جزءا من الثقة.
#عاشرا:
الثقة لا تطلب.. الثقة تبنى
لأن الدولة
لا تستطيع أن تبني مستقبلا مستقرا اعتمادا على الثقة العاطفية وحدها.
والرئيس
نفسه لا يحتاج إلى مواطن يصدقه مهما حدث.
بل يحتاج
إلى مواطن يصدقه لأن النتائج أمامه.
الفرق كبير.
الثقة المستدامة
لا تأتي من خطاب.
ولا من مؤتمر.
ولا من حملات
إعلامية.
إنما تأتي
من تجربة يومية..
أدفع أقل..
أحصل على خدمة أفضل.. أجد عدالة أسرع.. أرى قانونا يطبق على الجميع.. وأعرف من أخطأ
ومن حوسب.
#حادى عشر:
ماذا يجب أن يحدث في مؤتمر أكتوبر؟
إذا أردنا
أن نمنح دعوة الرئيس فرصة حقيقية للنجاح، فأعتقد أن المؤتمر يحتاج إلى سبعة ضمانات..
عرض كامل
للأرقام وليس أرقام الإنجازات فقط.
كشف المشروعات
المتعثرة أو التي لم تحقق أهدافها.
فتح باب
الأسئلة الصعبة، وليس الأسئلة المعدة مسبقا فقط.
تمثيل حقيقي
للمواطنين، وليس النخبة وحدها.
إتاحة مساحة
محترمة للرأي المختلف والمعارض.
تحويل التوصيات
إلى جداول زمنية ومسؤوليات محددة.
إعلان تقرير
متابعة دوري بعد المؤتمر يوضح ما تم وما لم يتم وأسباب التعثر.
إذا حدث
ذلك، فلن يكون المؤتمر مجرد مناسبة سياسية.
بل قد يكون
بداية لمرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة والمجتمع.
#فى_النهاية_نقول
الرئيس فتح
بابًا.
والسؤال
الآن؛
هل سندخل
منه فعلا؟
أنا لا أرى
أن الرد الصحيح هو أن نقول للرئيس؛
(لا فائدة
من المؤتمر).
كما لا أرى
أن الرد الصحيح هو أن نقول؛
(كل شيء
رائع).
الرد الوطني
الحقيقي هو؛
نعم يا سيادة
الرئيس.. تعالوا نتكلم.
لكن لنتكلم
عن كل شيء.
عن الإنجاز
والفشل.
عن المشروعات
والعائد.
عن الأموال
والنتائج.
عن النجاح
والقصور.
عن الحكومة
والمواطن.
عن الرقابة
والمحاسبة.
عن المستقبل،
وليس فقط الماضي.
ولنجعل شعار
المؤتمر؛
(ماذا فعلنا؟..
ماذا أخطأنا؟.. وماذا سنفعل؟)
لأن مصر
لا تحتاج إلى مؤتمر جديد من أجل الكلام.
مصر تحتاج
إلى مؤتمر يجعل الكلام بداية للفعل.
وأعتقد أن
الرئيس، عندما طلب من الحكومة أن "تستفيض"وأن تمتد المناقشات إلى أسبوع أو
عشرة أيام، وأن تتحدث الدولة بشفافية ومصداقية، قد منح القائمين على المؤتمر مساحة
واسعة لتحقيق ذلك.
والاختبار
الحقيقي لن يكون يوم افتتاح المؤتمر.
الاختبار
سيكون بعد انتهائه.
يوم يعود
المواطن إلى بيته ويسأل؛ ماذا تغير؟
فإذا تغير
شيء، كسبت الدولة جولة جديدة من الثقة.
وإذا لم
يتغير شيء، فسوف يصبح المؤتمر مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من الكلام.
وفي النهاية؛
لا يصح إلا
الصحيح.
ومصر أكبر
من الحكومة..
وأكبر من
المعارضة..
وأكبر من
الرئيس..
وأكبر من
كل الأسماء.
مصر هي المواطن
الذي ينتظر أن يرى أثر الدولة في حياته.
وهذا هو
الحوار الحقيقي الذي يجب أن يبدأ.

0 comments:
إرسال تعليق