• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

    احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن :المواطن المقهور.. بطل المشهد في دولة "للتوجع"! مدينة طبية بـ5 مليارات دولار.. وأنسولين "محلي".. وشاليه لكل نجم.. والمواطن يدفع الفاتورة!

     

     


    هناك مواطن مصري عجيب! يستيقظ كل صباح، لا ليبحث عن حلم، وإنما ليبحث عن فاتورة جديدة، أو دواء ناقص، أو خدمة ارتفع سعرها، أو تصريح حكومي يحتاج إلى مترجم لفهمه.

    مواطن أصبح بطلا دائما في مسلسل لا تنتهي حلقاته، لكنه للأسف مسلسل بلا نهاية سعيدة.

    ثلاثة مشاهد فقط تكفي لتلخيص الحكاية.

    المشهد الأول

    مدينة طبية للمقتدرين ومستشفى للمقهورين!

    يخرج علينا رئيس الحكومة الموقر بتصريح عن توجه الدولة لإنشاء مدينتين طبيتين في العاصمة الإدارية والعلمين، باستثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار، أي ما يقارب 250 مليار جنيه، ضمن تحالف واستثمار أجنبي.

    حتى هنا.. جميل.فالاستثمار الأجنبي ليس جريمة، وتطوير القطاع الطبي ليس ترفا، وإنشاء كيانات طبية عالمية يمكن أن يكون خطوة مهمة إذا كان جزءا من رؤية متكاملة.

    لكن ما يستوقف المواطن المقهور هو ذلك التجميل اللغوي الذي صاحب الإعلان، عندما يتم الزج بعبارة "التأمين الصحي الشامل" ضمن أهداف المشروعين، وكأن المواطن البسيط سيجد فجأة نفسه أمام مدينة طبية عالمية تفتح أبوابها له.

    يا سادة.. نحن لا نعترض على بناء المدن الطبية.نحن فقط نسأل سؤالا بسيطا جدا؛وماذا عن المستشفيات الحكومية والجامعية التي يعيش فيها المواطن البسيط رحلة من الألم تبدأ من باب الاستقبال ولا يعلم أحد أين تنتهي؟

    ماذا عن المستشفيات التي تحتاج إلى تطوير حقيقي، وأجهزة، وصيانة، وأدوية، وأسرة، ورعاية آدمية؟

    لماذا لا يكون للمواطن البائس نصيب من "الاستثمار الذكي"؟

    نحن نفهم أن المدن الطبية الجديدة استثمار، وأن المستثمر الأجنبي يبحث عن الربح، وأن الدولة تريد أن تجعل مصر مركزا طبيا إقليميا.

    لكن المواطن الذي يقف أمام مستشفى حكومي يبحث عن سرير أو دواء أو موعد كشف، لا يعيش في العاصمة الإدارية ولا يقضي يومه في العلمين.

    إنه يعيش هنا.. وسط الزحام.. وبين المستشفيات المتهالكة.. وفواتير لا ترحم.

    كان الأولى أن تمتد يد التطوير أيضا إلى مستشفيات "الغلابة"، حتى يشعر المواطن أن الدولة تبني له، لا بجواره فقط.

    المشهد الثاني

    سيادة الوزير والأنسولين الذي أصبح قضية عملة صعبة!

    ثم يأتي تصريح وزير الصحة عن إنتاج الأنسولين محليا من خلال أربعة مصانع، وأنه لا داعي لاستيراده من الخارج حفاظا على العملة الصعبة.

    مرة أخرى..نحن مع الصناعة المحلية.ونحن أول من يفرح عندما تنتج مصر دواءها بأيدي أبنائها، وتقلل فاتورة الاستيراد، وتوفر العملة الصعبة.لكن هناك فرقا كبيرا بين الدفاع عن الصناعة الوطنية، وبين أن يشعر المريض أن عليه أن يدفع ثمن اختيارات السياسة الدوائية من صحته.وعندما تصل الرسالة إلى المواطن بصورة؛ من يريد المستورد فليشتريه على حسابه من الصيدليات، فهنا لابد أن نتوقف.

    يا معالي الوزير..

    الدواء ليس رفاهية، والأنسولين ليس زجاجة عطر يختار المريض نوعها حسب ذوقه.مريض السكر لا يستطيع أن يدخل في جدال اقتصادي مع البنك المركزي، ولا أن يحسب سعر الدولار قبل أن يأخذ جرعته.المريض يريد دواءً آمنا، فعالا، متاحا، وبسعر يستطيع تحمله.والأهم من ذلك كله..يريد أن يسمع من وزير الصحة لغة تطمئنه، لا لغة يشعر معها أنه متهم لأنه طلب دواءا بعينه.فالوزارة التي تحمل اسم "الصحة" يفترض أن تكون أكثر الوزارات رحمة في خطابها.نحن لا نريد وزيرا يتحدث من برج عال إلى مرضى يقفون في الأسفل.نريد مسؤولا ينزل إليهم.

    يسمعهم.

    يطمئنهم.

    ويشرح لهم بهدوء لماذا اختفى الدواء، ومتى سيعود، وما البديل الآمن، ومن يتحمل التكلفة.أما التصريحات الصادمة، فهي لا تصنع سياسة صحية.بل تصنع وجعا إضافيا فوق وجع المرض.

    المشهد الثالث

    شاليه للنجم وفاتورة كهرباء للمواطن!

    ثم نصل إلى المشهد الأكثر عبثية.هؤلاء الذين صدعوا رؤوسنا خلال بطولة كأس العالم بالحديث عن المدير الفني واللاعبين، وملأوا الشاشات والمنصات احتفالا وفرحا، حتى خيل للمواطن أننا رفعنا الكأس وعاد المنتخب ببطولة العالم..ثم انتهى الأمر عند دور الـ16!ومع ذلك..

    ظل الاحتفال قائما.

    والتكريم مستمرا.

    والجوائز تتوالى.

    وبالأمس، وفق ما تم تداوله إعلاميا، تسلم عشرات من اللاعبين وأعضاء الأجهزة الفنية والإدارية وأعضاء اتحاد الكرة عقود شاليهات، ليحصل كل فرد على شاليه.هنا يقف المواطن أمام المرآة ويسأل نفسه؛هو أنا مش مصري برضه؟

    أنا الذي شجعت.

    أنا الذي خرجت إلى الشوارع.

    أنا الذي تحملت التنظير والشتائم والخناقات الكروية.

    أنا الذي دافعت عن المنتخب عندما كان ينتقده الآخرون.

    أنا الذي اتهمت غيري بعدم الانتماء لأنني قلت إن المدير الفني لم يحقق بطولة!

    طيب..

    وأنا؟

    ماذا حصلت أنا؟

    حصلت على زيادة في الكهرباء.

    وزيادة في المياه.

    وزيادة في الإنترنت.

    وزيادة في الأسعار.

    وربما غدا زيادة أخرى لا نعرف اسمها بعد!

    أما النجم..

    فشاليه.

    واللاعب..

    تكريم.

    والمسؤول..

    احتفال.

    والإعلامي..

    دعوات وبرامج.

    والمواطن..

    فاتورة.

    يا لها من عدالة اجتماعية غريبة!

    بل إن الحديث عن رواتب الأجهزة الفنية وأرقام الملايين، وما يتردد عن أجور تصل إلى ملايين الجنيهات، يجعل المواطن الذي يقف في طابور الخبز أو أمام مكتب التموين أو الصيدلية يشعر أنه يعيش في بلدين لا بلد واحد.

    بلد فيه من يملك أن يحتفل بعيد ميلاده في مصر وسط الأضواء والفنادق والاحتفالات..

    وبلد آخر فيه أب يحسب ثمن الدواء قبل أن يشتريه، وأم تؤجل طلبا أساسيا من أجل فاتورة الكهرباء، وموظف يتمنى أن ينتهي الشهر قبل أن ينتهي راتبه.

    المواطن.. هو الحلقة التي تدفع دائما!

    المشكلة ليست في أن يكون هناك استثمار.

    وليست في أن تكون هناك مدن طبية.

    وليست في أن ننتج الدواء محليا.

    وليست في أن يحصل الرياضي الناجح على مكافأة.

    المشكلة في ترتيب الأولويات وشعور المواطن بالعدالة.

    فالمواطن يستطيع أن يتحمل الصعب إذا شعر أن الجميع يتحمل معه.

    يستطيع أن يصبر على الإصلاح إذا رأى أن فاتورة الإصلاح موزعة بعدل.

    لكن أن يرى الملايين تتناثر هنا وهناك، بينما يطلب منه كل يوم أن يشد الحزام أكثر..

    فهنا يتحول الحزام من وسيلة للتماسك إلى حبل يضيق على أنفاسه.

    نحن لا نريد دولة تمنع الأغنياء من الثراء.

    ولا نريد أن نحارب الاستثمار.

    ولا نريد أن نكسر الرياضة أو نطفئ الأضواء عن الناجحين.

    نريد فقط أن يشعر المواطن أن له مكانا في هذه المعادلة.

    أن المستشفى الذي يدخل إليه ليس أقل قيمة من المدينة الطبية الفاخرة.

    وأن دواءه ليس أقل أهمية من استيراد أي سلعة أخرى.

    وأن راتبه الذي يستهلك في الضروريات لا ينبغي أن يكون أول جيب تمتد إليه يد الزيادة.

    وأن من يحصل على ملايين من المال العام أو امتيازات أو مكافآت، يجب أن يخضع لقواعد واضحة للشفافية والضرائب والمحاسبة مثل غيره.

    وأنت يا مواطن.. لا تتعب نفسك بالسؤال!

    فإذا سألت عن المستشفى..

    قالوا: استثمار.

    وإذا سألت عن الدواء..

    قالوا: عملة صعبة.

    وإذا سألت عن الملايين والشاليهات..

    قالوا: تكريم.

    وإذا سألت عن فاتورة الكهرباء..

    قالوا: إصلاح اقتصادي.

    وإذا سألت عن المياه..

    قالوا: إعادة هيكلة.

    وإذا سألت عن الإنترنت..

    قالوا: تطوير الخدمة.

    وإذا سألت في النهاية؛

    طب وأنا؟!

    ربما يأتيك الرد الوحيد الذي لا يحتاج إلى مؤتمر صحفي؛

    أنت المواطن.. ادفع!

    ادفع ثمن المدينة..

    وادفع ثمن الدواء..

    وادفع ثمن الكهرباء..

    وادفع ثمن المياه..

    وادفع ثمن الإنترنت..

    وادفع ثمن أخطاء غيرك..

    ثم ابتسم!

    فأنت في النهاية..

    بطل هذا المشهد كله.

    بطل لا يحصل على شاليه..

    ولا مليون..

    ولا سيارة فارهة..

    ولا حتى تصريحا إعلاميا.

    يحصل فقط على فاتورة جديدة..

    ثم يمضي في طريقه، وهو يردد من شدة الوجع؛

    آآآه.. للتوجع.. وجاي رايح منه له!

     

    الخبر التالي
    هذا اخر خبر
    رسالة أقدم
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن :المواطن المقهور.. بطل المشهد في دولة "للتوجع"! مدينة طبية بـ5 مليارات دولار.. وأنسولين "محلي".. وشاليه لكل نجم.. والمواطن يدفع الفاتورة! Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top