• اخر الاخبار

    الأحد، 16 أغسطس 2026

    حافظ الشاعر يكتب عن :سيدتان فضليتان.. حين تنقذ المرأة المصرية ما تبقى من شرف المجتمع

     


     

    هذا الأسبوع لم تحتج مصر إلى مؤتمر عن تمكين المرأة، ولا إلى شعارات براقة عن عظمة المصريات، ولا إلى كاميرات تبحث عن بطولات مصطنعة.

    احتاجت فقط إلى امرأتين مصريتين.

    الأولى طالبة في كلية الطب، كانت موجودة في موقع حريق داخل أحد المراكز التجارية، فلم تقف متفرجة، ولم تنتظر وصول الإسعاف، ولم تبحث عن وسيلة لتوثيق المشهد على هاتفها.

    تقدمت إلى الخطر، ومدت يدها إلى المصابين، ونجحت في إنقاذ ثلاثة أشخاص قبل وصول سيارات الإسعاف.

    طالبة طب، لكنها في تلك اللحظة كانت تدرس درسا أكبر من كل كتب الطب؛

    أن العلم الحقيقي لا قيمة له إذا لم يتحول إلى إنسانية.

    أما السيدة المصرية الثانية، فقد كانت أمام جريمة من نوع آخر؛ جريمة لا تحرق مبنى، وإنما تحاول أن تحرق براءة طفل.

    رأت طفلا يستدرجه رجل سبعيني إلى منزله، ففهمت الخطر، ولم تتردد.

    طرقت الباب، وأخرجت الطفل من المكان، ووثقت الواقعة، وكشفت ما حدث للرأي العام، حتى وصلت الشرطة وألقت القبض على الرجل.

    امرأة واحدة قررت ألا تكون "شاهدة صامتة".

    وهنا تحديدا تكمن عظمة الحكاية.

    فالمجتمعات لا تسقط فقط عندما ينتشر المجرمون، وإنما تسقط عندما يصمت الشرفاء.

    والمرأة المصرية، منذ أن عرفت مصر معنى الأسرة والجيرة والجدعنة، لم تكن يوما مجرد متلقية للأحداث.

    كانت دائما في قلب النجدة.

    كانت الأم التي تقف أمام الخطر دفاعا عن ابنها، والجارة التي تطرق باب أسرة منكوبة، والمعلمة التي تحمي تلميذا، والطبيبة التي تنقذ مريضا، والعاملة التي تحمل بيتا كاملا فوق كتفيها، والمرأة التي ترى جريمة فتقول ؛ لا.. لن أسمح.

    وهنا أريد أن أتوقف عند عبارة ربما تحتاج إلى بعض التصحيح في وجداننا جميعا؛

    مصر ليست الساحل.

    الساحل جزء من مصر، نعم، لكنه ليس مصر كلها.

    مصر الحقيقية أوسع من شاليه، وأكبر من حفلة، وأعمق من صورة على مواقع التواصل.

    مصر هي التي تمشي في شوارع القرى وهي تحمل هم البيت.

    مصر هي الأم التي تقتطع من قوت يومها لتشتري دواء ابنها.

    مصر هي البنت التي تعمل وتدرس في الوقت نفسه.

    مصر هي الطبيبة التي تدخل النار لإنقاذ إنسان.

    مصر هي السيدة التي تقف في وجه رجل منحرف لحماية طفل لا تعرفه.

    مصر هي مصر الغلابة والأصل.

    وقبل كل ذلك، هي مصر الإيمان؛ مصر التي تربت فيها المرأة على أن نجدة المظلوم ليست بطولة استثنائية، وإنما واجب.

    ولذلك، فإن الحديث عن هاتين السيدتين ليس مجرد إشادة ببطولتين عابرتين.

    إنه تذكير لنا بأن في هذا البلد كنزا أخلاقيا هائلا ما زال حيا، رغم كل ما يحيط بنا من مظاهر العفن الاجتماعي، والاستعراض، واللامبالاة.

    نعم، هناك عفن في بعض الطبقات والمجتمعات.

    وهناك من يتصور أن المال يشتري القيمة، وأن الشهرة تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، وأن النفوذ يستطيع أن يضع ستارا على القبح.

    لكن مصر أكبر من هؤلاء.

    ولا يجوز أن نختزل المجتمع المصري في مشاهد البذخ والاستعراض التي تصدر أحيانا من بعض دوائر "الساحل"، بينما هناك ملايين المصريين لا يزالون يعيشون بمنطق الستر والجدعنة والرحمة والنجدة.

    بل إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسمح لبعض النماذج المشوهة أن تصبح مرآة نرى فيها أنفسنا.

    لا.. تلك ليست مصر.

    مصر التي نعرفها امرأة تحمل طفلا ليس ابنها وتهرب به من يد رجل منحرف.

    مصر التي نعرفها طالبة طب تنسى خوفها أمام النار، وتتحول من طالبة إلى منقذة.

    مصر التي نعرفها امرأة ترى مظلوما فلا تسأل أولا؛ "هو يخصني؟"

    بل تسأل؛ "ماذا أستطيع أن أفعل؟"

    وهنا أتذكر نماذج نسائية مصرية كثيرة لم تكن تبحث عن تصفيق.

    نساء وقفن في وجه التحرش، وأخريات أنقذن أطفالا من الشوارع، وأمهات واجهن الإدمان والانحراف داخل بيوتهن، ومعلمات حمين تلاميذهن، وطبيبات وممرضات وقفن في الصفوف الأولى لإنقاذ المرضى، ونساء كافحن الفقر وحدهن حتى لا يمد أبناؤهن أيديهم لأحد.

    هؤلاء هن سيدات مصر الفضليات.

    هؤلاء هن من يستحققن أن نتحدث عنهن.

    وليس معنى ذلك أن نكره الساحل، أو نضع كل من يذهب إليه في خانة واحدة.

    المشكلة ليست في المكان.

    المشكلة في أن يتحول المكان إلى عقلية.

    عقلية تقول إن القيمة فيما تملك، لا فيما تفعل.

    وأن الإنسان يقاس بسعر سيارته، لا بثمن موقفه.

    وأن المرأة تقاس بصورة، لا بشجاعتها.

    وأن الرجل يقاس بقدرته على الإنفاق، لا بقدرته على حماية الضعيف.

    وهنا تأتي هاتان المرأتان لتقولا لنا شيئا شديد البساطة؛

    العظمة ليست في أن تكون فوق الناس.. العظمة في أن تكون إلى جوار الإنسان حين يسقط.

    طالبة الطب لم تسأل عن ثمن ملابس المصابين.

    والسيدة التي أنقذت الطفل لم تسأل عن اسم الرجل أو نفوذه.

    لم يكن أمامهما إلا إنسان يحتاج إلى النجدة.

    وهذا هو الفارق بين مجتمع حي ومجتمع يحتضر.

    المجتمع الحي حين يرى الخطر يقول؛ أنا هنا.

    أما المجتمع الميت فيخرج هاتفه ويصور.

    لذلك، كل التحية لهاتين السيدتين.

    وكل التحية لكل امرأة مصرية لا تزال تحمل في قلبها شيئا من مصر القديمة الجميلة؛ مصر التي كانت ترى في نجدة الضعيف شرفا، وفي حماية الطفل أمانة، وفي إنقاذ الإنسان عبادة.

    #فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛

    مصر ليست حفلة على شاطئ.

    مصر ليست صورة لامعة.

    مصر ليست ثمن تذكرة ولا سعر سيارة ولا مساحة شاليه.

    مصر امرأة تقف في وجه الخطر.

    مصر أم تربي أبناءها على الحلال.

    مصر بنت تنقذ غريبا.

    مصر طبيبة تمد يدها وسط النار.

    مصر جارة تفتح بابها للمحتاج.

    مصر امرأة تقول للمجرم.. لن تمر.

    هذه هي مصر التي نريد أن نراها.

    مصر الإيمان.. مصر الجدعنة.. مصر الأصل.. مصر الغلابة الذين ربما لا يملكون الكثير، لكنهم ما زالوا يملكون أغلى ما يمكن أن يملكه الإنسان ؛قلبا حيا وضميرا لا يباع.

    وفي زمن يعلو فيه صوت العفن أحيانا، علينا ألا ننسى أن هناك نساء مصريات ما زلن يرفعن راية الشرف في صمت.

    وربما كانت رسالتهن الأجمل لنا جميعا؛

    أن إنقاذ إنسان واحد قد يكون أبلغ من ألف خطاب عن الأخلاق.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حافظ الشاعر يكتب عن :سيدتان فضليتان.. حين تنقذ المرأة المصرية ما تبقى من شرف المجتمع Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top