في كل عام، تأتي ذكرى مولد سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم،
فتتزين المساجد، وتعلو أصوات الصلاة والسلام عليه، وتروى سيرته، وتضاء الشوارع ببعض
مظاهر الفرح..ثم ينتهي الموسم..
ويعود الهاتف إلى يد صاحبه، وتعود الشاشة إلى احتلالها اليومي،
ويعود كثير من الناس إلى حياتهم كما كانت قبل أن تأتي ذكرى المولد.
وهنا يطل السؤال الذي ربما يكون أكثر إزعاجا من كل الأسئلة؛
ماذا بقي من سدنا النبى صلى الله عليه وسلم في حياتنا بعد
أن تنتهي الاحتفالات؟
هل بقيت رحمته في بيوتنا؟
هل بقي صدقه في تجارتنا؟
هل بقي حياؤه في كلماتنا؟
هل بقيت أخلاقه في خلافاتنا؟
هل بقيت أمانته في أعمالنا؟
وهل بقي شيء من هديه في العالم الافتراضي الذي نقضي فيه ساعات
طويلة كل يوم؟
هذه ليست أسئلة للاحتفال..إنها أسئلة للمراجعة.
فمولد سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم ليس مجرد تاريخ نضعه
في التقويم، ولا مناسبة تنتهي بانتهاء أيامها، وإنما فرصة لكي نسأل أنفسنا؛ هل نعرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا، أم أننا نعرف عنه بعض الحكايات فقط؟
فالقرآن لم يقدم لنا النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره شخصية
تاريخية نقرأ سيرتها ثم نغلق الكتاب، وإنما قال بوضوح 'لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا" ..لاحظوا الكلمة"أسوة"..أي قدوة.
لم يقل القرآن؛كان لكم في رسول الله قصة جميلة..ولم يقل؛
كان لكم في رسول الله ذكرى نحتفل بها.وإنما قال؛ أسوة حسنة.
أي أن سدنا النبى صلى الله عليه وسلم ليس فقط من نقرأ عنه،
وإنما من نحاول أن نقتدي به.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
نحن نعيش عصرا لم يعشه أحد قبلنا
شاب يستيقظ من نومه، وقبل أن يقول صباح الخير لأمه، يفتح
هاتفه.
يقلب عشرات المقاطع.
يرى شخصا يملك الملايين.
ثم يرى شخصا يسافر.
ثم آخر يعرض سيارة فارهة.
ثم فتاة تستعرض حياتها.
ثم صانع محتوى يصرخ في وجه الكاميرا.
ثم خبرا كاذبا.
ثم شائعة.
ثم مشاجرة.
ثم إعلانا.
ثم مقطعا لا يعرف لماذا شاهده أصلا.
وفجأة..
تمر ساعة.
وربما ساعتان.
وربما أكثر.
دون أن يشعر.
أصبحنا نعيش في زمن تستطيع فيه الشاشة أن تدخل غرفتنا، وسريرنا،
وطعامنا، وأوقات عملنا، وحتى لحظات وحدتنا.
#يا_سادة؛
التكنولوجيا ليست شرا.
والهاتف ليس عدوا.
والسوشيال ميديا ليست حراما لمجرد أنها سوشيال ميديا.
لكن السؤال الأهم هو؛من الذي يقود الآخر؟
هل نحن الذين نستخدم التكنولوجيا؟
أم أن التكنولوجيا هي التي تستخدم أعمارنا؟
هنا تحديدا نحتاج إلى سدنا النبى صلى الله عليه وسلم..ليس
لأننا نريد أن نعيش في الماضي، وإنما لأننا نريد أن نحمل قيم الماضي إلى المستقبل.
نحن لا نحتاج إلى العودة إلى زمن بلا إنترنت.بل نحتاج إلى
أن ندخل عصر الإنترنت بأخلاق النبوة.
تخيلوا لو دخلت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى
"السوشيال ميديا"
ماذا لو أصبح الصدق قاعدة قبل أن يكون منشورا؟
ماذا لو تذكر الإنسان قبل أن يكتب تعليقا جارحا أن هناك إنسانا
آخر سيقرأه؟
ماذا لو توقفنا قبل مشاركة فضيحة أحد؟
ماذا لو لم نضحك على فقير؟
ماذا لو لم نشهر بإنسان بسبب خطأ؟
ماذا لو أصبح الاختلاف بلا سباب؟
ماذا لو أصبحت الشهرة وسيلة لصناعة الخير، وليست غاية في
حد ذاتها؟
ماذا لو أصبح عدد الأشخاص الذين ساعدناهم أهم من عدد
"اللايكات" التي حصلنا عليها؟
عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نفهم معنى الاقتداء.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول"إنما بُعثت لأتمم صالح
الأخلاق"، وهو حديث روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه البخاري في "الأدب
المفرد" وأحمد والبيهقي، وصححه عدد من أهل الحديث.
والتأمل في هذا الحديث يكشف شيئا عظيما ؛ الإيمان ليس كلمات
فقط.. الإيمان أخلاق تظهر عندما نتعامل مع الناس.
وأين تظهر أخلاق الإنسان اليوم أكثر من العالم الافتراضي؟
هناك، حيث لا يراه أحيانًا أحد.
هناك، حيث يستطيع أن يكتب ما يشاء من خلف شاشة.
هناك، حيث يمكنه أن يسب شخصا لا يعرفه.
أو ينشر شائعة.
أو يقتطع كلاما.
أو يفضح إنسانًا.
أو يسخر من صورة.
أو يشارك محتوى يعرف أنه سيؤذي شخصا آخر.
وهنا يظهر معدن الإنسان الحقيقي.
يا شباب.. لا تجعلوا "الترند"قدوتكم
يا من تتراوح أعماركم بين الثامنة عشرة والخمسين..
أنتم جيل يعيش واحدة من أخطر التحولات في تاريخ البشرية.
العالم لم يعد يحتاج إلى أن يسافر إليك..
العالم يأتي إليك كل دقيقة.
لكن ليس كل ما يأتيك يستحق أن يدخل عقلك.
وليس كل مشهور يستحق أن يكون قدوة.
وليس كل "ترند" يستحق أن تركض خلفه.
وليس كل ما يضحك الناس يستحق أن ينشر.
وليس كل ما يثير الجدل يستحق أن تمنحه من عمرك.
هناك فرق بين أن تكون مواكبا للعصر، وأن تكون أسيرا للعصر.
الإسلام لم يأمرنا أن نهرب من الدنيا.
بل أمرنا أن نحسن استخدامها.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إنسانا منعزلا عن المجتمع؛
كان يعيش بين الناس، يسمعهم، ويحاورهم، ويرحم ضعيفهم، ويعطي كل إنسان قدره.
فإذا أردنا أن نحتفل بمولده حقا، فلنبدأ من هنا ؛كيف نتعامل
مع الإنسان الذي أمامنا؟حتى لو كان هذا الإنسان خلف شاشة.
فالمولد الحقيقي يبدأ عندما يتغير السلوك..ربما نحتاج هذا
العام إلى احتفال مختلف.
احتفال لا ينتهي عند الإنشاد.
احتفال يبدأ من القلب ثم يصل إلى السلوك.
أن نقرر ألا نكذب.
أن نقرر ألا نظلم.
أن نقرر ألا نشهر بإنسان.
أن نقرر أن نرد الإساءة دون إساءة.
أن نحترم والدينا.
أن نرحم الضعيف.
أن نساعد المحتاج.
أن نؤدي عملنا بإخلاص.
أن نحفظ أوقاتنا.
أن نستخدم الهاتف فيما ينفع.
أن نجعل صفحاتنا على مواقع التواصل تحمل شيئا من الخير بدل
أن تكون مجرد مساحة للصراخ والخصومة.
فإذا فعلنا ذلك..
فقد تحولت ذكرى المولد من مناسبة إلى منهج.
ومن احتفال إلى تغيير.
ومن كلمات إلى حياة.
رسالة إلى قارئ اليوم
يا صديقي..
لا أطلب منك أن تغلق هاتفك.
ولا أطلب منك أن تعتزل العالم.
ولا أطلب منك أن تعيش خارج زمنك.
كل ما أطلبه أن تسأل نفسك قبل أن تضغط زر "نشر"؛هل
يرضى الله عن هذا؟
وقبل أن تكتب تعليقا قاسيا؛
هل أقبل أن يكتب مثله في حقي؟
وقبل أن تنشر خبرا؛
هل أنا متأكد منه؟
وقبل أن تضيع ساعة جديدة في التصفح؛
ماذا أعطيت هذه الساعة من عمري؟
وقبل أن تبحث عن قدوة جديدة؛
ماذا أعرف عن سدنا النبى صلى الله عليه وسلم؟
ربما تكون الإجابة عن السؤال الأخير هي بداية التغيير كله.
لأننا في زمن كثرت فيه القدوات المصنوعة، نحتاج أن نعود إلى
القدوة التي لم تصنعها الكاميرا، ولم تصنعها خوارزميات المنصات، ولم يحتج صاحبها إلى
ملايين المتابعين حتى يكون عظيما.
سدنا النبى صلى الله عليه وسلم..
الذي جعل الرحمة خلقا.
والصدق منهجا.
والتواضع قوة.
والأمانة مسؤولية.
والإنسان قيمة.
وهكذا..
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ لا ينبغي أن يكون السؤال في ذكرى
مولده؛
ماذا سنقول عن سدنا النبى صلى الله عليه وسلم؟
بل؛
ماذا سيفعل سدنا النبى صلى الله عليه وسلم لو رأى أخلاقنا
اليوم؟
وهنا تبدأ رحلة السلسلة..
من المولد إلى الحياة.
من الذكرى إلى القدوة.
ومن السيرة إلى السلوك.
ومن الشاشة التي تسرق أعمارنا..
إلى الرسالة التي تستحق أعمارنا.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

0 comments:
إرسال تعليق