• اخر الاخبار

    الأحد، 16 أغسطس 2026

    سلسلة من المولد إلى الحياة.. ماذا تعلمنا من محمد ﷺ؟..من "اقرأ" إلى "اسحب لأعلى".. ماذا فعلنا بالمعرفة؟ المقال الثالث..بقلم:حافظ الشاعر

      

     


    لم تكن أول كلمة نزلت من السماء إلى الأرض.. اجمع المال..ولا اطلب الشهرة..

    ولا كن مشهورا..

    ولا اجعل الناس يتحدثون عنك..

    كانت الكلمة الأولى؛

    (اقْرَأْ)

    كأن الرسالة الإلهية منذ لحظتها الأولى كانت تضع الإنسان أمام مفتاح مختلف للحياة؛

    اقرأ.. قبل أن تحكم.

    اقرأ.. قبل أن تتحدث.

    اقرأ.. قبل أن تصدق.

    اقرأ.. قبل أن تشارك.

    اقرأ.. قبل أن تجعل من نفسك خبيرا في كل شيء.

    وفي زمننا..

    يبدو أننا نعيش المفارقة الكبرى؛

    أصبحنا نملك ملايين الكتب والمقالات والمعلومات في جيوبنا، لكننا أصبحنا أقل صبرا على القراءة.

    أصبحت المعلومة تصل إلينا في خمس عشرة ثانية..

    وأصبحنا نريد أن نفهم العالم كله في مقطع قصير.

    نريد التاريخ في دقيقة.

    والدين في دقيقة.

    والسياسة في دقيقة.

    والاقتصاد في دقيقة.

    والطب في دقيقة.ج كج

    والعلاقات الإنسانية في دقيقة.

    حتى الحياة نفسها..

    نريدها مختصرة في (ريلز).

    وهنا السؤال؛

    هل التكنولوجيا جعلتنا أكثر معرفة.. أم أكثر استهلاكا للمعلومات؟

    "اقرأ" ليست كلمة قديمة

    حين نقرأ قول الله تعالى"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق".

    فإننا أمام معنى يتجاوز القراءة بمعناها الضيق.

    إنها دعوة إلى التعلم، والتأمل، والنظر، وإعمال العقل، والبحث عن الحقيقة.

    والأهم:

    "باسم ربك".

    أي أن المعرفة في التصور الإسلامي ليست منفصلة عن المسؤولية والأخلاق.

    أن تعرف أكثر..

    لا يعني أن تتكبر أكثر.

    وأن تمتلك معلومات أكثر..

    لا يعني أن تستخدمها لإيذاء الآخرين.

    وأن تستطيع الوصول إلى كل شيء..

    لا يعني أن كل شيء متاح لك ينبغي أن تراه أو تنشره.

    وهنا تكمن المشكلة الكبرى في عصرنا؛

    لقد أصبحت المعرفة أسرع من الحكمة.

    نحن لا نعاني من نقص المعلومات

    افتح هاتفك الآن..

    ستجد في ثوان معلومات عن أي شيء تقريبا.

    لكن هل كثرة المعلومات جعلتنا أكثر حكمة؟

    ليس بالضرورة.

    لأن المعرفة شيء..

    والوعي شيء آخر.

    قد يعرف الإنسان آلاف المعلومات، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع والديه.

    وقد يحفظ عشرات الآيات، لكنه يظلم موظفا يعمل عنده.

    وقد يتحدث عن الأخلاق لساعات، ثم يكتب تعليقا جارحا على إنسان لا يعرفه.

    وقد يشارك منشورا عن الصدق، ثم ينقل خبرا كاذبا لأنه يوافق هواه.

    وهنا يجب أن نتوقف.

    المشكلة ليست في كمية ما نعرفه.. وإنما في الطريقة التي نستخدم بها ما نعرفه.

    من القراءة إلى (اسحب لأعلى)

    كان الإنسان قديما يذهب إلى المكتبة بحثا عن معلومة.

    اليوم..

    المعلومة هي التي تطارده.

    تفتح الهاتف..

    فتأتيك.

    تغلقه..

    فتلاحقك.

    تجلس لتأكل..

    فتظهر.

    تستعد للنوم..

    فتأتيك.

    تستيقظ..

    فتجدها تنتظرك.

    وهكذا تحول الهاتف من أداة في أيدينا..

    إلى ضيف دائم في حياتنا.

    والأخطر أننا لم نعد نختار دائما ما نراه.

    الخوارزميات تعرف ما يجذبنا.

    تعرف ما يجعلنا نتوقف.

    تعرف ما يثير غضبنا.

    ما يضحكنا.

    ما يخيفنا.

    ما يجعلنا نختلف.

    ثم تعطينا المزيد منه.

    ولهذا أصبح الإنسان أحيانا يعيش داخل غرفة معلوماتية مغلقة؛ يرى فيها ما يشبه أفكاره، فيعتقد أن العالم كله يفكر مثله.

    وهنا يأتي دور العقل.

    أن تسأل؛

    هل ما أراه حقيقة؟

    هل المصدر موثوق؟

    هل هناك رأي آخر؟

    هل أنا أتعلم.. أم يتم توجيهي؟

    سدنا النبى صلى الله عليه وسلم .. وبناء الإنسان الذي يتعلم

    لم تكن الرسالة النبوية مشروعا لتكوين أناس يحفظون فقط.

    بل لتكوين إنسان يفهم، ويتدبر، ويعمل.

    وقد قال الله تعالى "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ".

    العلم يرفع الإنسان..

    لكن العلم الحقيقي لا يقف عند الرأس.

    ينزل إلى السلوك.

    إذا تعلمت أن الصدق فضيلة، فكن صادقا.

    إذا تعلمت أن الرحمة خلق، فارحم.

    إذا تعلمت أن الغيبة محرمة، فلا تجعلها مادة لتجمع الناس حولك.

    إذا تعلمت أن الوقت نعمة، فلا تهدره كله في التمرير اللانهائي.

    وهنا نستطيع أن نفهم الحديث النبوي العظيم "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنة"، رواه مسلم.

    لاحظوا"سلك طريقًا".

    أي أن التعلم رحلة.

    ليس مجرد معلومة تظهر أمامك ثم تختفي.

    يا شباب.. لا تجعلوا "المعلومة السريعة"تخدعكم

    ليس كل من ظهر أمام الكاميرا عالما.

    وليس كل من تحدث بثقة يعرف.

    وليس كل فيديو عليه ملايين المشاهدات صحيحا.

    وليس كل مقطع ديني يمثل الإسلام.

    وليس كل اقتباس منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثا.

    وهذه نقطة شديدة الخطورة.

    لقد أصبح بعض الناس يكتب "قال رسول الله ﷺ"

    ثم يضع حديثا لا يعرف مصدره.

    ويعيد الآخر نشره.

    ثم الثالث.

    وبعد أيام يصبح الكلام "حديثا مشهورا".

    وهنا ينبغي أن نتذكر أن  سدنا النبي صلى الله عليه وسلم حذر بشدة من الكذب عليه، فقال "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

    إنها مسؤولية ضخمة.

    لذلك..

    قبل أن تكتب "قال رسول الله"..

    تأكد.

    قبل أن تنشر فتوى..

    تأكد.

    قبل أن تنقل خبرا..

    تأكد.

    قبل أن تحكم على إنسان..

    تأكد.

    فربما كانت ضغطة إصبع منك سببا في انتشار باطل لا تستطيع بعد ذلك إيقافه.

    (لايك») لا يصنع عالما

    من أخطر أوهام عصر المنصات أن عدد المشاهدات أصبح أحيانا معيارا للحقيقة.

    إذا شاهد مليون شخص مقطعا..

    فهل أصبح صحيحا؟

    بالطبع لا.

    وإذا حصل رأي على مائة ألف إعجاب..

    فهل أصبح هو الرأي الصحيح؟

    أيضا لا.

    الجمهور يستطيع أن يرفع الباطل كما يرفع الحق.

    والانتشار ليس دليلا على الجودة.

    والشهرة ليست شهادة علمية.

    والترند ليس وحيا.

    لذلك يحتاج شبابنا إلى مهارة أصبحت أهم من امتلاك الهاتف نفسه؛

    التفكير النقدي.

    أن تسأل.

    أن تبحث.

    أن تقارن.

    أن تتثبت.

    أن تقول؛

    ربما أكون مخطئا.

    هذه الجملة ليست ضعفا..

    بل واحدة من علامات النضج.

    ماذا نقرأ إذن؟

    لا تجعل القراءة منافسة للسوشيال ميديا.

    اجعلها علاجا لها.

    خصص كل يوم وقتا للقراءة بعيدا عن الهاتف.

    اقرأ في دينك.

    اقرأ في تاريخ بلدك.

    اقرأ في تخصصك.

    اقرأ في الأدب.

    اقرأ لمن يختلف معك.

    اقرأ القرآن بتدبر.

    اقرأ السيرة النبوية من مصادر موثوقة.

    ولا تجعل ثقافتك كلها مقاطع قصيرة.

    فالعقل الذي يتعود على المعلومة السريعة قد يفقد تدريجيا قدرته على الصبر أمام الأفكار العميقة.

    وكما يحتاج الجسد إلى غذاء..

    يحتاج العقل إلى غذاء أيضا.

    رسالة إلى قارئ اليوم

    يا صديقي..

    لا تسمح للهاتف أن يحولك إلى مجرد إصبع يسحب الشاشة إلى أعلى وأسفل.

    أنت أكبر من ذلك.

    أنت عقل.

    وقلب.

    وروح.

    ووقت.

    ورسالة.

    لا تجعل الخوارزمية تختار لك كل ما تعرفه.

    اختر أنت.

    ولا تجعل الترند يحدد اهتماماتك.

    حدد أنت ما يستحق وقتك.

    ولا تجعل عدد المشاهدات يخبرك بقيمة ما تفعل.

    فقد يكون العمل الصغير عند الله أعظم من ملايين المشاهدات.

    وتذكر دائما؛

    أول كلمة في الوحي كانت "اقرأ"..

    فربما تكون أول خطوة في إصلاح علاقتنا بالتكنولوجيا هي أن نعيد اكتشاف هذه الكلمة.

    اقرأ..

    لكن اقرأ باسم ربك.

    تعلم..

    لكن اجعل علمك رحمة.

    استخدم التكنولوجيا..

    لكن لا تسمح لها أن تستخدمك.

    خذ من العالم معلوماته..

    ولا تعطِه عقلك بلا تفكير.

    وفي ذكرى مولد سدنا النبى صلى الله عليه وسلم  لنسأل أنفسنا؛

    هل نحن جيل يقرأ ما يكتب فقط.. أم جيل يستطيع أن يكتب مستقبلًا أفضل؟

    فسدنا النبى صلى الله عليه وسلم  لم يأت ليصنع أمة من المستهلكين..

    بل أمة تحمل رسالة.

    يتبع ..

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: سلسلة من المولد إلى الحياة.. ماذا تعلمنا من محمد ﷺ؟..من "اقرأ" إلى "اسحب لأعلى".. ماذا فعلنا بالمعرفة؟ المقال الثالث..بقلم:حافظ الشاعر Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top