لم يعد الكذب يحتاج إلى صحيفة تطبعه..
ولا إلى مطبعة تنشره..
ولا إلى مذيع يقرأه..
يكفي أن يملك شخص هاتفا، وأن يضغط إصبعه على كلمة واحدة:
"إرسال".
وفي ثوان..
يمكن أن تصل الكذبة إلى مئات الأشخاص.
ثم يعيدها آخر.
ثم ثالث.
ثم تتحول من رسالة إلى منشور.
ومن منشور إلى "ترند".
ومن "ترند" إلى حديث يتناقله الناس وكأنه حقيقة.
وهكذا..
قد تولد الكذبة من شاشة صغيرة، لكنها تستطيع أن تشعل حريقا
كبيرا.
وفي ذكرى مولد سدنا النبى صلى الله عليه وسلم، ونحن نتحدث
عن النبي الذي عرف قبل البعثة بـالصادق الأمين، لا بد أن نسأل أنفسنا؛
كيف أصبحنا نتعامل مع الكلمة؟
هل ما زالت الكلمة عندنا أمانة؟
أم أصبحت مجرد محتوى نريد أن يحقق انتشارا؟
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.. كانت الكلمة مسؤولية
كان المجتمع يعرف قيمة الكلمة.
وكانت السمعة تبنى عبر سنوات..
وقد تهدمها كلمة.
واليوم أصبح الأمر أخطر.
لأن الكلمة لم تعد تصل إلى شخص أو عشرة.
قد تصل إلى آلاف أو ملايين.
ولهذا جاء القرآن بقاعدة تصلح لكل العصور، لكنها تبدو شديدة
الحضور في عصر السوشيال ميديا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"
فتبينوا.
كلمة واحدة..
لكنها لو أصبحت قاعدة في حياتنا الرقمية، لتغير الكثير.
قبل "الشير".. توقف
تخيل أن شخصا أرسل لك رسالة تقول؛
"خبر عاجل.. فلان ارتكب كذا".
وأنت لا تعرف فلانا.
ولا تعرف صاحب الرسالة.
ولا تعرف مصدر الخبر.
لكن الخبر مثير.
فتشاركه.
ثم تكتشف بعد ساعة أنه كاذب.
هل انتهت المشكلة؟
لا.
لأنك قد تكون أرسلت الخبر إلى عشرات الأشخاص.
وبعضهم أرسله إلى عشرات آخرين.
وهكذا أصبح من الصعب الإمساك بالكذبة بعد أن خرجت من هاتفك.
وهنا نحتاج إلى قاعدة بسيطة؛
ليس كل ما يصل إليك يستحق أن يصل إلى غيرك.
#قالوا_ليست_مصدرا
من أكثر الكلمات انتشارا في عالم السوشيال ميديا؛
"بيقولوا.."
"سمعت.."
"حد قالي.."
'الناس بتتكلم.."
"انتشر على فيسبوك.."
لكن منذ متى أصبح "الناس بتقول' مصدرا للمعلومة؟
القرآن نفسه حذرنا من أن نتعامل مع كل ما نسمع وكأنه حقيقة.
قال تعالى"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"
تأملوا؛
"كان عنه مسؤولًا".
أي أن الإنسان مسؤول عما يسمع، وعما يرى، وعما يعتقده قلبه.
وفي عصر أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الهاتف قبل أن تصل إلى
العقل..
نحن أحوج ما نكون إلى هذه الآية.
أخطر من الكذبة.. إعادة نشرها
ربما يقول أحدهم:
"أنا لم أخترع الخبر.. أنا فقط نشرته".
وهنا الخطأ.
فمن يعيد نشر الكذب يساهم في انتشاره.
ومن يشارك التشهير يساهم في التشهير.
ومن يرسل صورة تسيء إلى إنسان يشارك في الإساءة.
ومن ينقل شائعة دون تحقق أصبح جزءا من سلسلة انتشارها.
ولهذا قال سدنا النبى صلى الله عليه وسلم "كفى بالمرء
كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
حديث عظيم..
ويبدو وكأنه مكتوب لعصر "الكوبي بيست" و"الشير".
أن تنقل كل ما تسمع ليس حرصا على المعرفة.. قد يكون بابا
للكذب.
هناك بشر خلف الشاشات
هذه نقطة ننسى أحيانا أهميتها.
عندما تكتب عن شخص؛
"فلان حرام''.
أو..
"فلان فاسد".
أو:
"فلانة سيئة".
أو..
"هذا الرجل نصاب".
أنت لا تكتب عن اسم على شاشة.
أنت تتحدث عن إنسان.
له أسرة.
وأبناء.
وأصدقاء.
وعمل.
وسمعة.
وحياة.
وقد تكون المعلومة خاطئة.
وقد تكون منقوصة.
وقد يكون هناك سياق لا تعرفه.
وقد تكتب جملة واحدة، فيقرأها طفل لهذا الشخص.
أو يراها أحد أقاربه.
أو يفقد بسببها عملا.
أو تتغير نظرة المجتمع إليه.
فهل يستحق الأمر كل هذا؟
التشهير ليس حرية
نحتاج أن نفرق بين النقد والتشهير.
بين أن تناقش فكرة..
وأن تهين صاحبها.
بين أن تنتقد أداء مسؤول..
وأن تنتهك حياته الخاصة.
بين أن تكشف فسادا حقيقيا وفق الأدلة والقانون..
وأن تنشر اتهاما لمجرد أن"الناس تتكلم".
الحرية مسؤولية.
والصحافة مسؤولية.
والكتابة مسؤولية.
والسوشيال ميديا مسؤولية.
والدين لا يجعل الإنسان حارسا على نفسه فقط، بل يجعله مسؤولا
عن أثر كلمته.
"ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"
قال الله تعالىة"مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ"
والآية لا تقول؛
ما يكتب.
بل تقول..
ما يلفظ.
واليوم يمكن أن نضيف إلى وعينا؛
ما تكتب..
وما تنشر..
وما تشارك..
وما تعلق..
وما تعيد إرساله.
كلها كلمات، وإن خرجت من لوحة مفاتيح بدل اللسان.
والشاشة لا تلغي المسؤولية.
الكلمة قد تنقذ.. وقد تقتل
قد تكتب كلمة تشجع إنسانا محطما..
فتعيد إليه الأمل.
وقد تكتب كلمة طيبة لشخص يمر بأزمة..
فتكون سببا في أن يكمل طريقه.
وقد تنشر معلومة مفيدة..
فتنقذ إنسانا من الوقوع في خطأ.
وقد تنشر تحذيرا موثقا..
فتحمي شخصا من الاحتيال.
لكن في المقابل..
قد تكون كلمة منك سببا في جرح إنسان.
وقد تكون شائعة سببا في خراب بيت.
وقد تكون صورة سببا في فضيحة.
وقد يكون تعليق ساخر سببً/ا في انهيار شخص نفسيا.
لذلك لا تستهين بالكلمة.
يا شباب.. لا تجعلوا الغضب صحفيا
أحيانا نكتب ونحن غاضبون.
نرى منشورا يستفزنا..
فنرد فورا.
نقرأ رأيا يخالفنا..
فنهاجم صاحبه.
نرى شخصا نختلف معه..
فنبحث عن أي شيء نستخدمه ضده.
وهنا المشكلة.
الغضب يجعل الإنسان يرى نصف الحقيقة.
والسوشيال ميديا تمنحه ميكروفونا.
فتصبح النتيجة؛
غضب + هاتف + جمهور = كارثة.
لذلك..
قبل أن تكتب وأنت غاضب؛
انتظر.
أغلق الهاتف.
اشرب كوب ماء.
صلّ ركعتين.
نم.
ثم اقرأ ما كتبت في اليوم التالي.
ربما تشكر نفسك لأنك لم تضغط "نشر".
وماذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عن اللسان؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
قاعدة بسيطة..
لكنها تصلح لأن تكون دستورا للسوشيال ميديا.
قبل أن تنشر؛
هل هو خير؟
إذا كان نعم..
انشر.
إذا كان لا..
فالصمت أفضل.
ليس مطلوبا منك أن تعلق على كل شيء.
ولا أن تبدي رأيك في كل قضية.
ولا أن تدخل كل معركة.
ولا أن ترد على كل مستفز.
أحيانا يكون أعظم انتصار لك أن تغلق لوحة المفاتيح.
#الصحافة_تبدأ_من_الأمانة
وبالنسبة لنا نحن الذين نكتب وننشر ونخاطب الجمهور، تصبح
المسؤولية أكبر.
فالصحفي لا يملك رفاهية "سمعت".
وصانع المحتوى لا يملك رفاهية "كل الناس بتقول".
والكاتب لا يملك رفاهية "أنا كنت فاكر".
هناك فرق بين..
أن تكتب رأيا..
وأن تقدم معلومة.
فرق بين..
"أعتقد".
و"حدث".
فرق بين..
"وجهة نظري".
و"الحقيقة".
والقارئ من حقه أن يعرف الفرق.
#رسالة_إلى_قارئ_اليوم
قبل أن تضغط "مشاركة"..
اسأل نفسك خمسة أسئلة..
من المصدر؟
هل الخبر صحيح؟
هل التاريخ صحيح؟
هل الصورة تخص الخبر فعلا؟
هل نشر هذا المحتوى فيه ظلم لإنسان؟
إذا لم تعرف الإجابة..
لا تنشر.
أنت لست مضطرا إلى أن تكون أول من ينشر.
أن تكون الأول ليس بطولة.
أن تكون صادقا هو البطولة.
ولا تجعل رغبتك في السبق تجعلك شريكا في نشر الكذب.
وتذكر دائما..
المنشور الذي تحذفه قد يكون رآه مئات الأشخاص.
والكلمة التي تعتذر عنها قد تكون جرحت قلبا بالفعل.
والشائعة التي تقول "كنت بهزر" قد تكون دمرت حياة
إنسان.
#من_المولد_إلى_الحياة
حين نحتفل بمولد سيدنا محمد
، نتحدث كثيرا عن رحمته وصدقه وأمانته.
لكن أجمل احتفال أن نحاول أن نعيش هذه الأخلاق.
أن يكون حسابك على مواقع التواصل امتدادا لأخلاقك في الحياة.
إذا كنت أمينا في الشارع..
كن أمينا على الشاشة.
إذا كنت رحيما في بيتك..
كن رحيمًا في تعليقك.
إذا كنت تكره الظلم..
فلا تظلم إنسانا بمنشور.
إذا كنت تحب سدنا النبي ..
فاجعل لسانك يشبه ما أحببته فيه.
#وفي_النهاية_ بقى أن أقول؛
ليس المهم كم منشورا كتبت.
المهم؛
كم إنسانا لم تظلمه بكلمة؟
ليس المهم كم خبرا نقلت.
المهم؛
كم كذبة أوقفتها عند هاتفك؟
ليس المهم كم شخصا شاهدك.
المهم؛
هل كنت صادقا أمام الله؟
ففي زمن أصبح فيه الكذب أسرع من الحقيقة..
يظل الصدق عبادة.
وفي زمن أصبحت فيه الشائعة بضغطة إصبع..
يظل التثبت نجاة.
وفي زمن يستطيع فيه الجميع أن يتكلم..
يبقى الصمت أحيانا..
أعلى درجات الحكمة.
يتبع..

0 comments:
إرسال تعليق