هناك مهن تمارس بالعلم والخبرة والموهبة، وهناك مهن لا يكفي لدخولها
أن تحمل بطاقة بلاستيكية.
والصحافة واحدة من تلك المهن التي لا يصنع الصحفيَ فيها "كارنيه"،
ولا تمنحه شهادة تشترى، ولا تصنعه دبلومة مدفوعة الأجر.
لكن يبدو أننا أمام ظاهرة تستحق أن تتوقف أمامها كل الجهات المعنية
طويلا ؛ظاهرة "صحفى الكارنيه"!
تدفع المال.. تحصل على دبلومة.
تدفع أكثر.. تحصل على كارنيه.
تدفع مرة أخرى.. تحصل على كارنيه صحيفة أو موقع.
ثم يترك المواطن ليعتقد أنه أصبح صحفيا وإعلاميا!
وهنا تبدأ الكارثة.
#فتاة_أوبر_والقنبلة_التي_انفجرت_في_وجه_كيانات_الوهم
لم تكن واقعة فتاة أوبر مجرد واقعة فردية انتهت بالقبض والتحقيق.
فالواقعة كشفت ــ أو أعادت إلى الواجهة ــ ملفا أخطر بكثير؛من يمنح
صفة "صحفى" لمن لا يملكها؟
بعد الواقعة، ظهرت تصريحات ومواقف نقابية حول كارنيه قيل إنه صادر
عن كيان يحمل اسما مرتبطا بالصحافة الإلكترونية، بينما صدرت تصريحات من قيادات بنقابة
الصحفيين المصرية تنفي انتساب الفتاة إلى النقابة، وتتحدث عن عدم الاعتراف بهذا الكيان.
ثم دخلت على الخط تصريحات من قيادات نقابية عمالية لتوضيح طبيعة
النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام واختلافها عن نقابة الصحفيين المهنية.
وهنا كان يجب أن يرن جرس الإنذار في كل مؤسسة وكل جهة رسمية وكل
مواطن..
فليس كل كارنيه صحافة.. كارنيه نقابة الصحفيين.
وليس كل من كتب على بطاقته "صحفي" أصبح صحفيا بحكم القانون.
وليس كل كيان يحمل اسما قريبا من الصحافة أو الإعلام يملك حق منح
الصفة المهنية.
#السوق_مفتوحة_والكارنيه_له_سعر!
الأخطر أن ما يتردد عن هذه الظاهرة ليس مجرد كلام عابر.هناك من
يتحدث عن دبلومات في الصحافة والإعلام تتراوح أسعارها بين 2000 و5000 جنيه.
ثم كارنيهات لكيانات أو نقابات تحمل مسميات مرتبطة بالصحافة والإعلام،
قد تصل إلى 2000 جنيه.
ثم كارنيهات للصحف أو المواقع بأسعار مماثلة.
وبالتالي يصبح السؤال الذي لا مفر منه؛
#ماذا_يشتري_المواطن_بالضبط؟
هل يشتري علما؟
هل يشتري تدريبا؟
هل يشتري عضوية في كيان؟
هل يشتري كارنيها داخليا؟
أم يشتري ــ من حيث لا يعلم ــ وهما بأنه أصبح صحفيا معتمدا؟
إن كانت دبلومة تدريبية، فليكتب عليها بوضوح أنها دورة أو دبلومة
تدريبية.
وإن كان الكارنيه عضوية داخل مؤسسة أو صحيفة، فليكتب عليه بوضوح
أنه إثبات عضوية داخل تلك الجهة.
أما أن تختلط المسميات في ذهن المواطن حتى يعتقد أن مجرد دفع المال
يجعله عضوا في نقابة الصحفيين أو صاحب صفة مهنية، فهنا لا بد أن يتدخل القانون.
#كارنيه_اليوم_ومتأخرات_خمس_سنوات_غدا!
ومن أطرف ما يكشف طبيعة هذه السوق أن بعض المتعاملين معها يتحدثون
عن نظام تجديد للكارنيهات، بحيث يدفع العضو رسوم التجديد، وإذا مرت سنوات دون تجديد
تتراكم عليه مبالغ عن السنوات السابقة.
وقد يصل الأمر ــ وفق ما يتداوله البعض ــ إلى احتساب السنة بمبلغ
معين، ثم تتضاعف الفاتورة كلما طال غياب العضو.
#وهنا_نسأل؛
هل نحن أمام نقابة مهنية؟ أم اشتراك عضوية؟ أم بطاقة خدمات؟ أم
مشروع تجاري؟
المواطن من حقه أن يعرف.
والجهة التي تحصل على أمواله من حقها أن توضح.
والدولة من حقها ــ بل من واجبها ــ أن تراجع.
#النقابات_ليست_كلها_نقابة_الصحفيين
وهنا لا بد من وضع النقاط فوق الحروف...هناك نقابات عمالية لها
طبيعتها واختصاصاتها، ومنها النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام، وهي
تختلف في طبيعتها عن نقابة الصحفيين المصرية باعتبارها نقابة مهنية للصحفيين.
والخلط بين المسميات قد يكون كارثيا على المواطن البسيط.
فوجود كلمة "الصحافة" في اسم نقابة أو كيان لا يعني تلقائيا
أن هذا الكيان هو نقابة الصحفيين المصرية.
ووجود كارنيه مكتوب عليه "صحافة" لا يعني تلقائيا أن
حامله أصبح عضوا في نقابة الصحفيين.
وهذه الحقيقة يجب أن تكون معلومة للجميع، لا سيما الجهات التي تتعامل
مع حاملي هذه البطاقات.
#من_المسؤول_عن_صناعة_الوهم؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجا؛
هل كل من يحمل كارنيها غير معترف به قانونيا محتال؟بالطبع لا يمكن
إطلاق هذا الحكم جزافا.
فربما يكون بعض الناس قد دفعوا أموالهم لأنهم صدقوا أن الكيان الذي
يتعاملون معه قانوني، وأن الدبلومة تؤهلهم، وأن الكارنيه يمنحهم صفة صحفية.وهنا تظهر
المأساة الحقيقية؛
ربما لا يكون كل الضحايا صانعي الوهم.. بل بعضهم ضحايا للوهم!
إنسان دفع آلاف الجنيهات.
حضر دورة.
حصل على دبلومة.
ثم حصل على كارنيه.
ثم وقف أمام الناس معتقدا أنه أصبح صحفيا.
فمن قال له الحقيقة؟
ومن شرح له حدود الكارنيه؟
ومن أخبره أن عضوية كيان ما لا تساوي عضوية نقابة الصحفيين؟
ومن يحاسبه إذا استخدم تلك الصفة أمام جهة رسمية؟
#نقابة_الصحفيين_لا_تتركوا_الميدان_فارغا
نقابة الصحفيين المصرية أمام مسؤولية مهمة، ليس لأنها مسؤولة عن
كل كيان يظهر في سوق الإعلام، وإنما لأنها الجهة المهنية التي يلتفت إليها الناس عندما
تختلط عليهم المسميات.
المطلوب ليس مجرد بيانات نارية عقب كل واقعة.
فالمطلوب حملة توعية مستمرة.قائمة واضحة بالمسميات والكيانات.وتوضيح
قانوني مبسط.وتعريف المواطن بماهية عضوية النقابة.وتوضيح الفارق بين النقابة المهنية
والنقابة العمالية والاتحاد والجمعية والكيان والصحيفة الإلكترونية.
والأهم؛
إبلاغ المواطن بوضوح..ماذا يعني هذا الكارنيه؟ وماذا لا يعني؟
والمسؤولية أيضا على المؤسسات
لكن الخطأ لا يقع على النقابات وحدها.
هناك مؤسسات وجهات رسمية وأهلية تتعامل أحيانا مع أي شخص يحمل كارنيها
باعتباره "صحفيا".
وهذا خطأ يجب تصحيحه.
لأن أبسط قواعد العمل المؤسسي أن يتم التحقق من الصفة المهنية من
مصدرها الصحيح، لا من بطاقة بلاستيكية قد تحمل اسما أو شعارا لا يعرف الموظف خلف مكتبه
مدى قانونيته.
فالصحفي الحقيقي لا يحتاج إلى تضليل الناس.والمؤسسة المحترمة لا
تمنح صفة مهنية إلا بعد التحقق منها.
احذروا "دكاكين الصحافة"
الصحافة ليست سبوبة.
والإعلام ليس بابا لتحصيل الأموال من أحلام الشباب.
والدبلومة ليست عصا سحرية.
والكارنيه ليس شهادة ميلاد مهنية.
ومن يريد أن يتعلم الصحافة فليتعلمها.
ومن يريد التدريب فليتدرب.
ومن يريد العمل في الإعلام فليدخل المجال من بابه الصحيح.
لكن أن يدفع الإنسان آلاف الجنيهات ثم يخرج معتقدًlا أنه أصبح صاحب صفة صحفية
قانونية، بينما الحقيقة غير ذلك، فهذه ليست مشكلة فردية.
هذه مشكلة مجتمع ومهنة وقانون.
#الصحفى_ليست_كلمة_للبيع
هناك فرق هائل بين أن تكون عضوا في صحيفة، وأن تكون متدربا في مؤسسة،
وأن تحصل على دبلومة، وأن تحمل كارنيه عضوية لكيان ما، وبين أن تكون عضوا في نقابة
الصحفيين وفقا للقانون.
هذا الفرق يجب أن يكتب بأحرف واضحة.
لأن الصحافة ليست "كارنيها".
الصحافة مسؤولية.
الصحافة ممارسة.
الصحافة ضمير.
والصحافة قبل كل ذلك مهنة لها قانونها ونقابتها وتاريخها.
#فتاة_أوبر_ليست_نهاية_الحكاية_بلبدايتها
ربما تكون واقعة فتاة أوبر قد فتحت نافذة صغيرة على غرفة كبيرة
مظلمة.
غرفة مليئة بالمسميات المتشابهة، والبطاقات، والدبلومات، والإعلانات،
والوعود، والناس الذين يدفعون من جيوبهم بحثا عن فرصة أو لقب أو حلم.
لذلك لا يجب أن نغلق الملف عند حدود فتاة واحدة.
بل يجب أن نسأل؛كم شخصا دفع آلاف الجنيهات ليشتري وهما؟
كم شخص يحمل كارنيها ولا يعرف قيمته القانونية الحقيقية؟
كم جهة تتعامل مع هذه الكارنيهات باعتبارها إثباتا لصفة صحفية؟
ومن يراقب هذه السوق؟
ومن يحمي اسم الصحافة من أن يتحول إلى سلعة؟
#فى_النهابة_بقى_أن_اقول؛لسنا ضد أحد.ولا نريد تصفية حسابات مع
كيان أو شخص.نريد فقط أن تكون الحقيقة واضحة مثل الشمس..من يملك حق منح الصفة الصحفية؟
ومن لا يملكها؟
وما قيمة كل كارنيه؟
ومن يحق له أن يقول "أنا صحفي" أمام الجهات الرسمية؟
ومن الذي يبيع للناس دبلومات وكارنيهات بمبالغ تصل إلى آلاف الجنيهات؟
وأين تذهب هذه الأموال؟
وهل يحصل المواطن مقابلها على تدريب حقيقي وعضوية حقيقية وصفة حقيقية،
أم يحصل فقط على قطعة بلاستيك تحمل اسمه وصورة وجهه؟
لقد آن الأوان أن تنتهي صحافة الكارنيه.وأن تتوقف تجارة الأحلام.
وأن يعرف كل مواطن أن الصفة المهنية لا تشترى.. وأن الصحافة ليست
سلعة في فاتورة، ولا لقبا يمنح لمن يدفع أكثر.
فإذا كانت الصحافة هي "السلطة الرابعة"، فلا يجوز أن
يتحول بابها إلى دكان يبيع مفاتيح وهمية لكل من يطرق الباب!

0 comments:
إرسال تعليق