• اخر الاخبار

    الأربعاء، 26 أغسطس 2026

    حين كان المولد يسكن البيوت والقلوب..فلاش باك إلى ليالي المولد النبوي في سلامون القماش .. يكتبها :حافظ الشاعر

     

     


    هناك أشياء لا تحفظها الكتب بقدر ما تحفظها الذاكرة، ولا تعيش في المتاحف بقدر ما تعيش في رائحة البخور، وصوت المداح، وضحكة طفل يطارد موكبًا شعبيا في ليلة من ليالي الزمن الجميل.

    ومع غرة ربيع الأول، كانت قريتي سلامون القماش ترتدي ثوبا آخر.

    كان السوق القديم يعرف أن المولد قد أقبل قبل أن تقولها مكبرات الصوت؛ فالزينات تعلق عند الصاري، والبيوت تفتح أبوابها للناس، وتبدأ ليالي الذكر ومدح سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من بعد العشاء، وكأن القرية كلها اتفقت على موعد مع الفرح.

    كان مؤذن المولد يجوب شوارع القرية معلنا بداية الموسم، فيعرف الصغير قبل الكبير أن ربيع الأول ليس شهرا عابرا في التقويم، وإنما مناسبة تستدعي المحبة والذكر والفرح.

    وكان لكل ليلة مذاقها..

    رائحة البخور تملأ المكان، والقرفة الحمراء باللبن تفوح من البيوت، وطبق الأرز باللبن لا يكاد يغيب عن موائد المولد. وكل يوم كان بيتا من بيوت القرية يتكفل بالطعام والشراب، في صورة بسيطة من صور التكافل الاجتماعي؛ لا أحد يسأل..من أين جئت؟ ولا من أي بيت أنت؟ فالليلة ليلة رسول الله ، والفرحة فرحة الجميع.

    وكانت تلك التفاصيل الصغيرة تصنع مجتمعا كبيرا.

    مجتمعا يعرف معنى أن تفرح مع جارك، وأن تطعم من لا تعرف، وأن تجعل من المناسبة الدينية بابا لصلة الرحم وإكرام الضيف وإدخال السرور على الناس.

    الليلة الكبيرة.. حين كانت القرية كلها تمشي خلف الفرح

    ثم تأتي الليلة الكبيرة، فتتغير ملامح القرية.

    الزفة الكبرى تتحرك، والأنقياء الطاهرون يحملون السيوف، ويظهر الهودج، ويمتطي الحصان أحد أهل البركة، وتتقدم المظاهر الشعبية وسط الزغاريد والتهليل، بينما تتعالى أصوات الناس من الشرفات وأبواب البيوت.

    وكانت هناك التفاريح؛ تلك الفقرات الشعبية التي لم تكن غايتها سوى رسم البسمة على وجوه الناس.

    وفي آخر الليل يأتي المداح أو القاص، فتجلس القلوب قبل الأجساد لتسمع.

    نسمع سعد اليتيم، وحكايات أبو زيد الهلالي ووطفة والزناتي خليفة والسبع بوابات.. حكايات من التراث الشعبي الأصيل، اختلط فيها التاريخ بالحكاية، والخيال بالحكمة، وظلت أجيال تتناقلها من شيخ إلى شيخ ومن أب إلى ابن.

    ونتذكر الشيخ حواس، ومن بعده ابنه، وعبد المعطي، والعربي فرحان البلبيسي، وبالطبع الشيخ أحمد مجاهد، وغيرهم كثيرون ممن تركوا بصماتهم في ذاكرة المولد بسلامون.

    لم تكن تلك الأسماء مجرد مداحين أو رواة.

    كانوا جزءا من الذاكرة الشعبية للقرية.

    والمساجد أيضا كانت لها لياليها

    ولم يكن المولد مجرد زفة في الشوارع أو حلويات في البيوت.

    فمن بعد المغرب كانت مساجد القرية تشهد أمسياتها الدينية، فيجتمع الناس لسماع الذكر والموعظة والمديح، ونذكر ممن عاصرناهم الشيخ السيد أبو خريبة والشيخ زين وغيرهما من أصحاب الأصوات التي كانت تصل إلى القلب قبل الأذن.

    أما في البيوت، فكانت هناك صورة أخرى أكثر هدوءا وأعمق دلالة..

    (المحيا).

    جلسات ذكر، وقراءة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعيش بالدقة، وناس لم يكن لهم في تلك الليالي مطلب سوى أن يذكروا الله ويصلوا على نبيه.

    كانوا أناسا بسطاء، لكن قلوبهم كانت غنية.

    لم يكن أحد منهم يبحث عن "ترند"، ولا عن صورة، ولا عن عدد مشاهدات.

    كان الاحتفال عندهم فعلا اجتماعيا وروحيا؛ ذكرا ومحبة وصدقة وتكافلا وفرحا.

    هل نعيد كل شيء كما كان؟

    بالطبع لا.

    فالتراث ليس كتابا مقدسا، وما كان صالحا لزمن قد يحتاج إلى مراجعة في زمن آخر. وبعض المظاهر الشعبية يمكن تطويرها، وبعضها قد يختفي طبيعيا مع تغير الحياة.

    لكن الخطأ الأكبر أن ننظر إلى كل ما هو شعبي بعين الازدراء، أو أن نعتبر كل مظاهر الفرح الديني بدعة أو جهلا لمجرد أنها خرجت من ثقافة الناس الشعبية.

    هناك فرق بين نقد الممارسة الخاطئة وبين إلغاء الذاكرة الجمعية للناس.

    وهناك فرق بين أن تقول.. هذه الممارسة تحتاج إلى تصحيح، وبين أن تقول.. كل هؤلاء الذين أحبوا النبي  كانوا على ضلال.

    حين تحولت بعض الخلافات الدينية إلى معركة مع الفرح

    في العقود الأخيرة ظهرت تيارات دينية متشددة في موقفها من مظاهر الاحتفال بالمولد، ومن بينها تيارات ذات مرجعية سلفية/وهابية ترى أن الاحتفال بالمولد ليس من العبادات المشروعة، وتنتقد كثيرا من مظاهره.

    ومن حق أي مدرسة فقهية أو فكرية أن تعرض رؤيتها وتناقش الأدلة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف الفقهي إلى خصومة مع الناس وتراثهم ومشاعرهم.

    فالذين كانوا يعلقون الزينات، ويطعمون الفقراء، ويقيمون مجالس الذكر، ويصلون على النبي ، لم يكونوا في الغالب يبحثون عن معركة فقهية.

    كانوا يبحثون عن لحظة فرح.

    وكان الأولى أن نميز بين المحبة المشروعة، والذكر، والصدقة، وإطعام الطعام من جهة، وبين أي ممارسة قد تتضمن تجاوزا شرعيا من جهة أخرى.

    فالإصلاح لا يعني الهدم، والنصيحة لا تعني السخرية من الناس، وتجديد الخطاب الديني لا يعني اقتلاع الذاكرة الشعبية من جذورها.

    وماذا عن موسم الرياض؟

    وهنا لا بد من وقفة هادئة بعيدا عن المزايدة.

    من حق الإنسان أن ينتقد ما يراه في بعض الفعاليات الترفيهية من إسراف أو تجاوزات أخلاقية أو تجارية، ومن حقه أن يسأل عن الأولويات والقيم التي تقدمها المجتمعات لأجيالها.

    لكن ليس من الإنصاف ولا من الدقة أن نربط كل حادث أو كارثة تقع في موسم الرياض أو غيره مباشرة بعقيدة دينية أو جماعة بعينها، من دون دليل.

    فالحوادث لها أسبابها الواقعية، والبحث عن المسؤولية يجب أن يكون مبنيا على الحقائق، لا على الشماتة أو التعميم.

    أما المفارقة التي تستحق التأمل فهي أكبر من ذلك..

    كيف يمكن أن يصبح الاحتفال الشعبي البسيط بمولد النبي محل خصومة وتشدد، بينما تطرح في أماكن أخرى أشكال من الترفيه والإسراف تستحق على الأقل نقاشا أخلاقيا ومجتمعيا جادا؟

    هذا هو السؤال الحقيقي.

    ليس الهدف أن نستبدل تشددا بتشدد، ولا أن نحاكم مجتمعا كاملا بسبب بعض مظاهره، وإنما أن نبحث عن ميزان.

    ميزان يحترم الدين، ويحترم العقل، ويحترم التراث، ويضع الأخلاق فوق الاستعراض.

    سلامون التي كانت تعرف كيف تفرح

    حين أتذكر سلامون القماش في أيام المولد، لا أتذكر الزينات وحدها.

    أتذكر الناس.

    أتذكر بيتا يطبخ الأرز باللبن ليطعم المارة، وامرأة تعد القرفة الحمراء باللبن، ورجلا يعلق زينة عند الصاري، ومؤذنا يطوف بالشوارع معلنا بداية المولد، وأطفالا ينتظرون الزفة، ورجالا يجلسون في حلقات الذكر، وصوت مداح يأتي من بعيد فيحمل معه رائحة زمن لم يعد موجودا إلا في الذاكرة.

    أتذكر قرية كانت تعرف أن الفرح يمكن أن يكون عبادة إذا اقترن بالشكر والطاعة، وأن إطعام الناس صدقة، وأن اجتماع القلوب على الخير نعمة.

    ربما تغير الزمن.

    وربما اختفت أشياء كثيرة.

    لكننا لا نحتاج إلى أن نخجل من ذاكرتنا.

    نحتاج فقط إلى أن نحفظ الجميل منها، ونصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ونترك لأبنائنا تراثا يعرفون من خلاله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد اسم نردده في مناسبة، وإنما سيرة وأخلاق ورحمة وعدل ومحبة.

    فالمولد الحقيقي لا يبدأ عندما تعلق الزينة..

    ولا ينتهي عندما تنطفئ أنوار الزفة.

    المولد الحقيقي يبدأ عندما يولد فينا شيء من أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم.

    وحينها فقط نفهم معنى أن نحتفل بميلاد الهادي البشير..

    لا بالضجيج وحده، وإنما بالحب الذي يتحول إلى سلوك، والذكر الذي يتحول إلى رحمة، والفرح الذي يتحول إلى خير للناس.

    تلك هي سلامون التي أتذكرها..

    وتلك هي ليالي المولد التي لا تزال، رغم مرور السنين، تشم في الذاكرة رائحة البخور والقرفة.. وتسمع في القلب صوت المداح وهو يقول: يا رسول الله.

    الخبر التالي
    هذا اخر خبر
    رسالة أقدم
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حين كان المولد يسكن البيوت والقلوب..فلاش باك إلى ليالي المولد النبوي في سلامون القماش .. يكتبها :حافظ الشاعر Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top