• اخر الاخبار

    الأربعاء، 5 أغسطس 2026

    قراءة نقدية في رواية "الجلاب" للكاتبة المميزة "هدى سعد"..يكتبها الناقد/ أحمد النقاش.

     


       "اليوم لقنتني الليالي الطويلة الإجابة، فلم تكن أمي ولا سعدية ولا حتى عفريت الغرباوي المخطئ؛ فجميعنا دُمًى خشبية في مولد، تحركنا خيوط خفية ولا نملك سوى الرقص".

       هكذا اعترف "سيد" أحد أبطال الرواية بعدما اكتشف حقيقة أمه، وأنها تعمل لدى "الغرباوي" ذلك الدجال الكبير الملازم للجن والشياطين.

      حسناء، صباح، سيد ...

          خيوط كبرى تشكلت بها رواية (الجلاب) للكاتبة المميزة "هدى سعد". بالرغم من أنها روايتها الأولى التي تُنشَر لكنَّها لم تكن أولى كتاباتها بالطبع؛ فهذا الأسلوب البديع لا بدَّ له من محاولات كثيرة سابقة تزيده بهاءً ورونقًا.

         أسلوب يتميز بالدقة في كل محطاته التي ترسم أمامنا خيوط الحياة والمعاناة التي يعيشها أبطال الرواية؛ فوصفها الدقيق وكلماتها الراقية والتي تتدفق من بين جنباتها روح الإنسانية المعذبة تستطيع أن تجعلك أسيرًا بين قضبان صفحاتها فلا تملك إلا أن تكمل الحكاية حتى نهايتها.

        في عالم غمرته رياح الطمع والرغبة في امتلاك مصائر الناس وتغيير ما أودعه الخالق في كونه من رحمة ومودة يتطلع بعض شرار الناس للوثوب على مخالطة الجن والتمسك بالسحر وملازمة كل ما مِن شأنه أن يفسدَ حياة الناس لصالح أناس آخرين خُلعَت من قلوبهم أدنى ذرات الرحمة فيتوجهون إلى هؤلاء الدجالين ليرسموا لهم الخطة.

      وها هو سيد ذلك الفتى الصغير الذي لعق كل سوءات الحياة  بل وتجرع مرارة الفقر والذل واليتم والنبذ  من الناس وقسوتهم عليه وعلى أمه يُصِرُّ أن يكون "الغرباوي الجديد" رمز الدجل والشعوذة والسحر فبعد أن كان يسخر من هؤلاء الدجالين ويكرههم أصبح هو شخصيا أقوى من أبيه الدجال الكبير، والذي كانت الصدفة وحدها كفيلة بأن تُبَصِّرَه بأنه أبوه الذي لجأت له أمه بعدما عجزت عن الإنــجــاب حتى أوقع بها عن طريق الدجـل وغيره لينجـب منها (سيدا) الذي كُتِـبَ باسم زوجـهــا (فتحي التربي).

     

     

            وفي نهاية الرواية نراه قد عدل من أسلوبه؛ ليواكب العصر بكل مسلماته التكنولوجية ليكون (الغرباوي الجديد) في كل شيء.

            أمَّا عن بقية أبطال الرواية، فنرى صباح وحسناء قصتين من ضحايا (الغرباوي) وشِباكه المتناثرة؛ فصباح تلك الفتاة التي فاتها قطار الزواج كما قالوا لها وأصبحت رمزًا للعنوسة في البيت، ولا أحد من أسرتها الصعيدية يمد لها يده ليحنوَ عليها حتى افتقدت كل لمسات الحياة الجميلة، وعاشت فقط الحياة بجانبها القاسي والمظلم حتى تعبت بشدة وعانت، وهنا تكشِفُ الرواية عن نقطة مهمة جدا، وهي دور الأسرة في احتواء الأبناء؛ فالأسرة هي السد الذي يمنع أفرادها من الوقوع في شِباك الجهلة والدجالين.

        أمَّا عن فاكهة هذه الرواية فهي "حسناء" هذه الفتاة الطاهرة النقية التي تعشق (فارسًا) منذ صغرها، وتمرُّ الأيَّام ليطلبها للزواج وقبل زواجها تعاني أمرَّ المعاناة من سحر (الغرباوي) اللعين وتتردد على كل مَن يحاولون إنقاذها ويفشلون، حتى وصلت إلى الانتحار.

           ولم يستطع أن ينقذها إلا الحب الحقيقي، ووقوف (فارس) بجانبها حتى النهاية، وروحه التي ارتقت بروحها بعيدا عن سخف المعاناة السفلية ولوث الدجل والسحر، وكذلك كلمات شيخها المعتدل "عبد العظيم" والذي أنارت وجهه رقة كلامه وآيات القرآن التي تتردد على شفتيه، وفهمه العميق لهذه الحياة؛ فتجده يقول لها: "حب الله لا يختبئ، بل يتجلى في كل شيء حولي، في خيوط الشمس وضوء الصباح، في برق النجوم وسكون الليل، في زخات المطر ونسيم الهواء. حب الله في نبض قلبي يدفعه للصمود والمقاومة والنهوض بعد كل انكسار فأنا جزء من هذا الكون".

         هكذا تجلت هذه الأنوار في قلب حسناء وروحها حتى انتشلتها وعلقت بها في سماء الحب والنقاء مرة أخرى لتبتعد عن ظلام الرق الذي صنعه الغرباوي وأمثاله ممن سيكونون حطب جهنم بكل تأكيد في نهايتهم السوداء.

        لقد كشفت الرواية عن أدوات أكثر من رائعة لكاتبتنا المبدعة "هدى سعد"؛ فهي تفتش في عوالم الفقراء والمحتاجين وعوالم الدجالين والمشعوذين، وكذلك عوالم القساة ومتحجري القلوب وعلى النقيض أيضا تقدم لنا روح الحب والصفاء والطفولة التي تستطيع بلا شك أن تخلق من الإنسان دائما أسمى درجات الحنو والحب والرحمة بغيره من بني البشر.

         وعليك أيها القارئ الإنسان أن تختار إنسانيتك دائما وتفضلها على هذه الحقارة والمادية اللعينة التي لا تتفق أبدا وفطرتنا النقية الطاهرة.

         شكرا من كل قلبي لكاتبتنا المبدعة "هدى سعد" على أسرار روايتها البديعة وننتظر بشغف روايتها الجديدة؛ لنغوص في أعماق رؤية أخرى في هذه الحياة.

     

    ...................................................................................................................                                                     

    أحبُّ الاستماع إلى آرائكم قرائي الأعزاء على البريد الإلكتروني

    الخاص بي، وعلى صفحتي على الفيس بوك بنفس العنوان:

    ahmedabdelhakim44@gmail.com

     

     

     

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: قراءة نقدية في رواية "الجلاب" للكاتبة المميزة "هدى سعد"..يكتبها الناقد/ أحمد النقاش. Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top