أثار الحديث عن عدم استمرار عبدالله السعيد مع الزمالك حالة من الغضب بين قطاع من جماهير النادي، التي ترى أن اللاعب، رغم بلوغه واحدًا وأربعين عامًا، لا يزال من أفضل عناصر خط الوسط، وأن خبرته وقدرته على صناعة اللعب تجعلان الاستغناء عنه قرارًا غير مفهوم بالنسبة لهم.
لكن
بعيدًا عن قضية عبدالله السعيد نفسها، هناك سؤال أكبر يستحق التوقف أمامه: هل
جماهير الزمالك تتعامل دائمًا مع اللاعبين وفق معيار فني ثابت، أم أن مواقفها
أحيانًا تتأثر بما يُطرح أمامها وتوجيه الرأي العام؟
فالجمهور
نفسه الذي يرى اليوم أن عبدالله السعيد، في عامه الحادي والأربعين، لا يزال قادرًا
على العطاء، سبق له أن طالب باعتزال لاعبين آخرين في أعمار أصغر بكثير.
ولعل
المثال الأوضح هو شيكابالا، أحد أكثر لاعبي الزمالك موهبة ومهارة عبر تاريخه،
والذي تعرض في فترات مختلفة لضغوط جماهيرية تطالب باعتزاله رغم أنه لم يكن قد بلغ
العمر الذي وصل إليه عبدالله السعيد حاليًا.
والأكثر
إثارة للتساؤل هو موقف الجمهور من حازم إمام، الذي كان يُنظر إليه باعتباره واحدًا
من أمهر لاعبي جيله، بل ومن أبرز المواهب التي عرفتها الكرة المصرية. ومع ذلك، لم
تمنحه الجماهير المساحة نفسها من الصبر، وطالب البعض باعتزاله وهو في الثالثة
والثلاثين من عمره فقط.
وهنا
تظهر المفارقة:
إذا كان
معيار الحكم هو العمر، فلماذا أصبح 41 عامًا مقبولًا مع عبدالله السعيد، بينما كان
33 عامًا كافيًا للمطالبة باعتزال حازم إمام؟
وإذا
كان المعيار هو المهارة، فكيف يمكن تفسير المطالبة باعتزال لاعب بحجم شيكابالا،
بينما يُدافع عن استمرار لاعب آخر بسبب قدرته على تقديم الإضافة رغم تقدمه الكبير
في السن؟
بالطبع،
لا يمكن تجاهل اختلاف المراكز والأدوار وطبيعة الأداء البدني بين لاعب وآخر، كما
أن كرة القدم لا تخضع للأرقام وحدها. فقد يكون لاعب في الأربعين أكثر فاعلية من
لاعب في الثلاثين، إذا كان يمتلك الرؤية والخبرة والقدرة على تنفيذ دوره داخل
الملعب.
لكن
القضية هنا ليست عبدالله السعيد وحده، ولا شيكابالا أو حازم إمام وحدهما، وإنما
ازدواجية المعايير في تقييم نجوم الزمالك.
فالجمهور
بطبيعته عاطفي، ومن السهل أن يتأثر بما يسمعه يوميًا عبر الإعلام ومواقع التواصل
الاجتماعي وتحليلات بعض الأشخاص. ومع تكرار رأي معين، قد يتحول تدريجيًا من مجرد
وجهة نظر إلى ما يشبه "الحقيقة الجماهيرية".
وهنا
يجب أن نطرح السؤال الأكثر حساسية:
هل
جماهير الزمالك تصنع رأيها بنفسها دائمًا، أم أن هناك من يستطيع توجيه هذا الرأي
نحو لاعب أو قرار أو شخص بعينه؟
ليس
المقصود اتهام الجماهير بأنها لا تملك رأيًا، بل العكس تمامًا؛ فجمهور الزمالك من
أكثر الجماهير قدرة على صناعة الضغط والتأثير في المشهد الرياضي. لكن قوة الجمهور
تحديدًا تجعل توجيه مزاجه العام، إن حدث، أمرًا بالغ التأثير.
فقد
تتحول حملة إعلامية أو مجموعة من الآراء المتكررة إلى موجة جماهيرية، ثم يصبح من
الصعب معرفة: هل الجماهير بدأت الموقف، أم أن الموقف صُنِع لها ثم تبنته؟
والحقيقة
أن اللاعب يجب ألا يُقيّم بعمره فقط، ولا بشعبيته فقط، ولا بما تقوله الجماهير عنه
في لحظة معينة.
المعيار
الحقيقي يجب أن يكون: ماذا يقدم داخل الملعب؟ هل يستطيع تنفيذ دوره؟ هل يفيد
الفريق؟ وهل توجد بدائل أفضل منه؟
وبهذا
المعيار، يمكن أن يكون عبدالله السعيد، رغم سنه، جديرًا بالاستمرار إذا كان الجهاز
الفني يرى أنه ما زال قادرًا على صناعة الفارق. وفي الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن
شيكابالا وحازم إمام وغيرهما كان من حقهم الحصول على المعيار نفسه: تقييم فني عادل
بعيدًا عن الانفعال والضغط الجماهيري.
فالاختلاف
في الرأي أمر طبيعي، أما المشكلة فتبدأ عندما يصبح المعيار مزدوجًا.
ولعل
قصة عبدالله السعيد تفتح بابًا مهمًا داخل الزمالك: هل نريد جمهورًا يقرر وفق
قناعاته الفنية، أم جمهورًا يمكن أن تتغير قناعاته بحسب من يتحدث إليه ومن يملك
أدوات التأثير عليه؟
الجمهور
لا يحتاج إلى من يقوده... بل يحتاج إلى الحقيقة كاملة، حتى يصنع قراره بنفسه.

0 comments:
إرسال تعليق