يا جحا.. لو سألتني "ودنك منين؟"
فسأقول لك؛ من التأمين الصحي!
ليس لأن التأمين الصحي بلا فائدة،
ولا لأن كل من يعمل داخله سيئ، فهناك بالتأكيد أطباء وموظفون شرفاء يؤدون واجبهم ويحاولون
مساعدة الناس، وإنما لأن المواطن أصبح يشعر أحيانا أن الوصول إلى حقه في العلاج يحتاج
إلى خريطة، وبوصلة، وصبر أيوب، وربما واسطة من زمن جحا نفسه!
المريض يدخل التأمين الصحي باحثا
عن العلاج..
فيخرج وهو يسأل نفسه "هو أنا
كنت داخل أتعالج.. ولا داخل أختبر قدرتي على التحمل؟!"
البداية"احجز على النت"..
وكأننا في وادي السيليكون!
يا سلام على التكنولوجيا!
زمان كان المواطن يروح يحجز، أما
الآن فقد أصبحنا في عصر التحول الرقمي، والتطبيقات الإلكترونية، والرقم القومي، والخدمات
الذكية!
تفتح التطبيق..
تكتب الرقم القومي..
تدخل البيانات..
ثم تأتيك الخانة التي تستطيع أن تربك
نصف الشعب:
ممارس.. أخصائي.. استشاري!
طيب يا جماعة الخير..
المواطن مريض، مش أستاذ في كلية الطب!
من أين له أن يعرف أي درجة طبيب يحتاج
إليها؟
وإذا كان المواطن لا يعرف، يذهب إلى
المكتبة، وصاحب المكتبة ــ بحكم الأمر الواقع ــ يتحول إلى "استشاري حجز"!
"عايز عظام؟"
(آه.)
(خلاص يا حاج نكتب ممارس.)
يذهب المواطن إلى التأمين..
"لا يا حاج.. لازم أخصائي!"
يرجع للمكتبة..
يحجز من جديد..
ثم ربما يكتشف أن المطلوب استشاري!
وهكذا يتحول التطبيق الذي صمم لتوفير
الوقت إلى ماكينة لإهدار الوقت والأعصاب والمال.
لماذا لا يكون هناك نظام ذكي يحدد
للمريض الطبيب المناسب وفقا للتخصص والحالة؟
لماذا يترك المواطن لاجتهاد موظف
المكتبة؟
#ثم_يأتي_موظف_الأرشيف!
وبعد أن تنجح في عبور الحاجز الإلكتروني،
تدخل على الحاجز البشري.
الأرشيف!
وهنا ــ مرة أخرى ــ لا نعمم.
لكن لماذا يشعر بعض المواطنين أنهم
يدخلون على موظف الأرشيف وكأنهم داخلون لطلب "صدقة"؟!
يا سادة..
المريض ليس متهما!
والذي يقف أمامك ليس رقما في دفتر.
هذا إنسان قد يكون يتألم، وقد يكون
مسنا، وقد يكون جاء من قرية بعيدة، وقد يكون تاركا عمله وأولاده، وقد يكون لا يملك
حتى أجرة المواصلات للعودة مرة أخرى.
فرفقا بالناس.
الابتسامة لا تكلف التأمين الصحي
شيئا.. والكلمة الطيبة لا تحتاج إلى اعتماد مالي.
(الدكتور ماجاش).. والمريض يدفع الثمن!
ثم نصل إلى فصل الأطباء المتعاقد
معهم.
تحجز موعدا..
تلتزم..
تذهب..
تنتظر..
ثم يأتيك الخبر..
"الدكتور ماجاش."
تقول:
"طيب أعمل إيه؟"
"تعالى بكرة."
تعود غدا..
"إنت كنت حاجز امبارح!"
"أيوه.. عشان الدكتور ماجاش."
"طب احجز تاني."
وهنا يصبح السؤال؛
هل الطبيب غاب عن الموعد.. أم أن
الموعد غاب عن المنظومة؟!
لا أحد يعترض على أن الطبيب قد يمرض
أو يتعرض لظرف طارئ.
لكن أين النظام الذي يخطر المريض؟
أين إعادة الحجز تلقائيا؟
أين الطبيب البديل؟
لماذا يدفع المريض ثمن غياب الطبيب
من وقته وأعصابه ومواصلاته؟
هو المريض ناقص؟!
وهنا تظهر "الجباية الصغيرة"!
نصل إلى الأشعة والتحاليل والخدمات
الطبية الأخرى..
وهنا يشعر المواطن أحيانا أنه دخل
منظومة تأمين، ثم وجد نفسه أمام سلسلة من المدفوعات.
رنين مغناطيسي؟
ادفع.
خدمة؟
ادفع.
تصوير أوراق؟
ادفع.
وغيرها من الإجراءات التي قد تبدو
قيمتها بسيطة في نظر من يجلس خلف المكتب، لكنها بالنسبة لموظف محدود الدخل ليست أرقاما
على ورق.. بل من مصروف البيت.
ولنضع النقاط فوق الحروف؛
المشكلة ليست في مبلغ 120 جنيها وحده.
المشكلة في السؤال الأكبر..
الموظف يدفع اشتراكا من راتبه كل
شهر، ويتحدث بعض المنتفعين عن مبالغ تصل إلى نحو 400 جنيه في بعض الحالات، ثم عندما
يمرض يبدأ في الدفع مرة أخرى!
فما معنى التأمين إذن؟
هل هو..
"أدفع علشان أتأمن.. وبعدين
أدفع علشان أتعالج"؟!
#ومن_التأمين_إلى_المستشفى_الحكومي_ومن_المستشفى_إلى_التأمين!
وهنا تبدأ لعبة "ودنك منين يا
جحا؟"
يوجه المريض إلى مستشفى حكومي أو
جامعي.
يذهب..
يحجز..
ينتظر..
ثم المفاجأة..
الجهاز عطلان!
طيب نعمل إيه؟
"ارجع للتأمين."
يرجع للتأمين.
"خلاص هنوجهك لمكان تاني."
يا سلام!
طب ما نروح للمكان التاني من الأول؟!
لماذا هذه الرحلة الدائرية؟
تأمين..
مستشفى..
خزينة..
حجز..
جهاز عطلان..
رجوع للتأمين..
توجيه جديد..
ثم ربما خزينة جديدة!
يا ناس.. ده مريض، مش كرة بينج بونج!
المواطن أصبح "مندوب تأمين"
لنفسه!
المواطن اليوم قد يجد نفسه مطالبا
بأن يعرف؛
أين يحجز؟
كيف يحجز؟
ما درجة الطبيب؟
أين يعتمد الورقة؟
أين يدفع؟
أين يعمل الأشعة؟
هل الجهاز يعمل؟
هل المستشفى متعاقد؟
هل المركز متعاقد؟
هل يحتاج إلى جواب؟
هل يحتاج إلى موافقة؟
هل يحتاج إلى صورة من الورقة؟
وهل يحتاج إلى أن يأتي غدا؟!
يا جماعة.. المواطن المفروض يتعالج،
مش يشتغل موظف تأمين صحي بدون مرتب!
وما أدراك ما العلاج!
أما العلاج..
فحدث ولا حرج.
دواء غير متوفر..
بديل..
موافقة..
صيدلية..
انتظار..
ثم في النهاية قد يجد المريض نفسه
أمام الحل المصري التاريخي؛
"خلاص.. هشتريه على حسابي."
وهنا تكتمل الدائرة.
يدفع الموظف اشتراك التأمين من راتبه..
ثم يدفع عند بعض الخدمات..
ثم قد يدفع في بعض الإجراءات..
ثم يشتري الدواء من جيبه..
وفي النهاية يقولون له؛
"أنت مؤمن عليك."
يا فرحة ما تمت!
لا نريد إلغاء التأمين.. نريد أن
نشعر أنه تأمين!
وهنا أقولها بوضوح؛
لا نريد إلغاء التأمين الصحي.
ولا نريد حرمان المواطن من الخدمة.
ولا نريد ظلم الطبيب أو الموظف.
نريد فقط أن تسأل الإدارة نفسها؛
هل المواطن راض عن رحلة حصوله على
الخدمة؟
إذا كانت الإجابة (لا)..
فالمشكلة ليست في المواطن.
المشكلة في المنظومة.
أعيدوا النظر في التطبيق.
بسطوا الحجز.
اجعلوا النظام يحدد درجة الطبيب.
أخطروا المريض فورا بغياب الطبيب.
وفروا البديل.
راجعوا أسلوب التعامل مع الجمهور.
ضعوا أجهزة تعمل.
راقبوا الأعطال.
وحّ/دوا الإجراءات.
أوقفوا رحلة "روح وتعالى".
واجعلوا المواطن يعرف من البداية؛
ماذا له؟ وكم سيدفع؟ وأين سيذهب؟
ومتى سيحصل على الخدمة؟
يا معالي المسؤول.. الناس تعبت!
يا معالي رئيس الوزراء..
يا مسؤولي التأمين الصحي..
المواطن المصري لم يعد يحتمل
"الفهلوة الإدارية".
لم يعد يحتمل أن يدور في دوائر مغلقة.
لم يعد يحتمل أن يدفع من راتبه، ثم
يدفع من جيبه، ثم يدفع من أعصابه.
الناس قرفت من كثرة الإجراءات.
والمريض تحديدا لا يملك رفاهية الانتظار.
لأن الذي يقف أمامك ليس في رحلة سياحية.
ده مريض!
والمريض يريد أن يشعر بالأمان.
يريد أن يعرف أن الدولة تقف بجواره
عندما يمرض.
يريد أن يرى التأمين الصحي مظلة تحميه،
لا سقفا منخفضا يضطر كل مرة إلى خبط رأسه فيه!
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛
التأمين الصحي ليس مجرد كارت..
وليس تطبيقا..
وليس شباكا..
وليس خزينة..
وليس جواب تحويل..
التأمين الصحي في جوهره "عقد
ثقة" بين المواطن والدولة.
المواطن يدفع..
والدولة تتعهد بالرعاية.
فإذا دفع المواطن ثم اضطر إلى أن
يدفع مرة أخرى، ويجري من شباك إلى شباك، ويعامل أحيانا بطريقة لا تليق، ويبحث عن الطبيب
والجهاز والدواء..
فإن السؤال يصبح مشروعا؛
أين ذهبت فكرة التأمين؟
نحن لا نريد المستحيل..
نريد فقط أن نمرض مرة واحدة، ونتعالج
مرة واحدة، ونخرج من التأمين الصحي دون أن نشعر أننا خضنا معركة!
فيا حكومة..
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في
السماء.
ويا مسؤولي التأمين الصحي..
انزلوا يوما واحدا من مكاتبكم، وتعالوا
عيشوا رحلة المريض من أول "احجز على النت" إلى آخر قرص دواء.
جربوا أن تحجزوا..
وتنتظروا..
وتعودوا..
وتدفعوا..
وتكتشفوا أن الجهاز عطلان..
ثم تعودوا مرة أخرى..
وساعتها فقط ستعرفون لماذا المواطن
يقول؛
"يا حكومة.. ودنك منين يا جحا؟!"
لأن المريض لم يعد يريد وعودا..
المريض يريد علاجا.
ولم يعد يريد منظومة جميلة على الورق..
يريد منظومة تحترم الإنسان عندما
يمرض..!!

0 comments:
إرسال تعليق