هناك سؤال أخشى أن نكون قد نسيناه ونحن نحتفل بمولد سدنا
النبى صلى الله عليه وسلم
من هو قدوتنا؟
السؤال يبدو بسيطا..
لكن الإجابة عنه ربما تفسر كثيرا مما يحدث حولنا.
فالإنسان في النهاية لا يعيش فقط بما يؤمن به، وإنما بما
يعجب به أيضا.
وما نعجب به اليوم قد يصبح غدا جزءا من شخصيتنا.
نرى شخصا مشهورا فنقلده.
نرى أسلوب حياة فنشتهيه.
نرى سيارة فنتمنى امتلاكها.
نرى ثراء فنظن أن النجاح هو المال فقط.
نرى مؤثرا يتحدث بصوت مرتفع، فنظن أن الصراخ قوة.
نرى شخصا يحصد ملايين المشاهدات، فنعتقد أن الشهرة دليل على
القيمة.
وهكذا..
تتسلل القدوة إلى داخلنا من الشاشة دون أن نستأذنها.
لكن قبل ألف وأربعمائة عام وأكثر، كان هناك شاب آخر..
لم يكن يملك هاتفا.
ولا حسابا على منصة اجتماعية.
ولا كاميرا تصور تفاصيل يومه.
ولا ملايين المتابعين.
ومع ذلك..
كان اسمه يزداد انتشارا يوما بعد يوم.
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
قبل النبوة.. كان "الأمين"
من أجمل ما يمكن أن نتعلمه من سيرة سدنا النبى صلى الله عليه
وسلم أن الناس عرفوه قبل نزول الوحي بالصدق والأمانة.
لم يبدأ بناء شخصيته عندما أصبح نبيا.
بل كانت الأخلاق حاضرة قبل الرسالة.
وهذه رسالة بالغة الأهمية لشبابنا؛
شخصيتك تبنى قبل أن تأتيك الفرصة.
لا تنتظر أن تصبح مشهورا حتى تكون محترما.
ولا تنتظر أن تحصل على منصب حتى تكون أمينا.
ولا تنتظر أن يصبح لديك آلاف المتابعين حتى يكون لك تأثير.
ابدأ الآن.
من مكانك.
من بيتك.
من عملك.
من هاتفك.
من حسابك.
من الطريقة التي تتحدث بها مع الناس.
من طريقة تعاملك مع والديك.
من أمانتك في عملك.
من حفظك لأسرار الآخرين.
من قدرتك على قول؛
لا أعرف.
ومن شجاعتك في قول؛
أخطأت.
#شباب_اليوم_وشباب_الأمس
عندما نتحدث عن الشباب، لا ينبغي أن نتعامل مع الشباب باعتبارهم
مشكلة تحتاج إلى الحل.
الشباب طاقة.
و سدنا النبى صلى الله عليه وسلم فهم هذه الحقيقة مبكرا.
ففي الجيل الأول من المسلمين كان للشباب حضور كبير في صناعة
الأحداث وتحمل المسؤوليات.
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه شابا حين حمل من المسؤوليات
ما لا يحتمله كثير من الكبار.
وكان أسامة بن زيد رضي الله عنهما شابا تولى قيادة جيش وهو
في سن صغيرة.
وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه شابا ترك حياة الرفاهية واختار
طريق الدعوة.
وهنا الدرس؛
سدنا النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يخاف من الشباب.. كان
يصنع بهم المستقبل.
لم يقل لهم؛
أنتم صغار.
لا تفهمون.
عودوا أولا حتى تكبروا.
بل أعطاهم الثقة، ورباهم، وحملهم المسؤولية.
وهذا بالضبط ما نحتاج إليه اليوم.
نحن لا نحتاج فقط إلى شباب يستخدمون التكنولوجيا.
نحتاج إلى شباب يقودون التكنولوجيا بأخلاقهم.
من "المتابع»" إلى "المؤثر"
أصبح لدينا اليوم ملايين الأشخاص الذين يسمون أنفسهم "مؤثرين".
لكن السؤال؛
مؤثرون في ماذا؟
أن تجعل شخصا يشتري شيئا لا يحتاجه، هذا تأثير.
أن تجعله يقلد مظهرك، هذا تأثير.
أن تدفعه إلى مشاهدة مقطع، هذا تأثير.
لكن التأثير الحقيقي شيء آخر.
أن تجعل إنسانا يصلي.
أن تجعل شابا يحترم والديه.
أن تجعل فتاة تثق في نفسها دون أن تقلد الآخرين.
أن تجعل شخصا يتراجع عن نشر شائعة.
أن تجعل إنسانا يساعد فقيرا.
أن تجعل شخصا يعتذر بعدما أخطأ.
هذا هو التأثير الذي يبقى.
وهنا نتذكر قول الله تعالى "وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ
لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".
تأملوا..
القرآن لا يتحدث عن عدد المتابعين.
ولا عن عدد الإعجابات.
ولا عن حجم الشهرة.
يتحدث عن الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر.
وكأن الرسالة تقول لنا؛
ليست القضية كم شخصا يراك.. وإنما ماذا يرى الناس فيك؟
يا شابا يعيش خلف الشاشة..
لا تجعل حياتك نسخة من حياة شخص لا تعرفه.
قد ترى صورة مثالية لإنسان على الإنترنت، بينما لا ترى قلقه،
ولا مشاكله، ولا ديونه، ولا خلافاته، ولا وحدته.
أنت ترى الواجهة..
ولا ترى الكواليس.
ولذلك لا تجعل مقارنة حياتك بحياة الآخرين سببا في كراهيتك
لحياتك.
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان سوقا لبيع
الوهم؛
هذا سعيد طوال الوقت.
وهذا غني طوال الوقت.
وهذه جميلة طوال الوقت.
وهذا ناجح طوال الوقت.
وهذا يسافر طوال الوقت.
وهذا يملك كل شيء.
لكن الإنسان الحقيقي لا يعيش بهذه الطريقة.
الحياة فيها فرح وحزن.
نجاح وفشل.
رزق وتأخر.
قوة وضعف.
مرض وصحة.
وهذه طبيعة الدنيا.
قال الله تعالى "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ"
فلا تسمح لصورة مدتها عشر ثوان أن تحكم على حياة كاملة.
القدوة لا تحتاج إلى (فلتر)
سدنا النبى صلى الله عليه وسلم لم يحتج إلى فلتر ليبدو جميلا.
لأن جماله كان في أخلاقه.
لم يحتج إلى صناعة صورة مثالية.
لأن صدقه كان صورته.
لم يحتج إلى حملة إعلامية ليحبه الناس.
لأن رحمته سبقت كلامه.
ومن أعظم ما وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم قوله "وَإِنَّكَ
لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم"
خلق عظيم.
كلمتان تختصران مدرسة كاملة.
فإذا أردت أن تعرف قيمة الإنسان، لا تنظر إلى ملابسه.
ولا سيارته.
ولا هاتفه.
ولا عدد متابعيه.
انظر إلى أخلاقه عندما يغضب.
إلى أمانته عندما يستطيع أن يخون ولا يكتشفه أحد.
إلى رحمته عندما يرى ضعيفا.
إلى تواضعه عندما ينجح.
إلى صبره عندما يفشل.
إلى لسانه عندما يختلف.
هناك..
تظهر الحقيقة.
#ماذا_نريد_من_شبابنا؟
نريد شابا يستطيع أن يستخدم الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يسمح
للآلة أن تلغي عقله.
نريد شابا يستخدم الهاتف، لكن الهاتف لا يسرق يومه.
نريد شابا يدخل مواقع التواصل، لكن لا يدخلها بلا وعي.
نريد شابا يعرف العالم، لكنه لا يفقد هويته.
نريد شابا يختلف، لكنه لا يكره.
يناقش، لكنه لا يسب.
ينجح، لكنه لا يتكبر.
يفشل، لكنه لا يستسلم.
يملك المال، لكنه لا يعبد المال.
يمتلك التكنولوجيا، لكنه لا يفقد الإنسان الذي بداخله.
وهذه ليست أحلاما بعيدة.
إنها قيم صنعت جيلا كاملا في زمن النبوة.
#رسالة_إلى_قارئ_اليوم
إذا كنت شابا..
فلا تنتظر أن يأتي أحد ليخبرك أنك مهم.
أنت مهم بالفعل.
لكن قيمتك ليست في عدد المشاهدات.
قيمتك فيما تصنعه.
وفيما تقدمه.
وفيما تتركه وراءك.
وإذا كنت في الأربعين أو الخمسين..
فلا تقل إن زمن الشباب انتهى.
فربما يكون أجمل ما تستطيع فعله الآن أن تكون قدوة لشاب يبحث
عن قدوة.
أبا يسمع ابنه.
أما تحتضن ابنتها.
معلما يزرع قيمة.
موظفا يؤدي عمله بأمانة.
صحفيا يتحرى الحقيقة.
صانع محتوى يرفض الإسفاف.
ومواطنا يعرف أن الأخلاق ليست قديمة.
الأخلاق لا تشيخ.
والصدق لا يصبح "ترندا قديما".
والرحمة لا تنتهي صلاحيتها.
والأمانة لا تحتاج إلى تحديث.
وسدنا النبى صلى الله عليه وسلم
ليس قدوة لجيل عاش منذ أربعة عشر قرنا فقط.
إنما هو قدوة لكل إنسان يبحث عن الطريق وسط ضجيج هذا العالم.
من المولد إلى الحياة
في المقال الأول سألنا؛
ماذا بقي من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في زمن الشاشات؟
واليوم نضيف سؤالا آخر؛
من نختار قدوة لنا؟
فإذا كانت الشاشة قد أصبحت مصنعا للقدوات، فلنكن أكثر وعيا
بما ندخله إلى عقولنا وقلوبنا.
لا بأس أن نستخدم التكنولوجيا.
بل علينا أن نتعلمها.
ولا بأس أن نواكب العصر.
بل علينا أن نتقدم فيه.
لكن المهم ألا نتقدم في التكنولوجيا..
ونتأخر في الأخلاق.
لأن الحضارة التي تملك أحدث الأجهزة، ولا تملك الرحمة..
حضارة ناقصة.
والإنسان الذي يملك أحدث هاتف، لكنه لا يستطيع أن يحترم أباه
وأمه..
يملك جهازا حديثا، لكنه لم يطور إنسانه.
فلنجعل مولد سدنا النبى صلى الله عليه وسلم هذا العام بداية
سؤال جديد؛
كيف أكون أفضل، لا كيف أبدو أفضل؟
كيف أكون إنسانا صالحا، لا مجرد صورة صالحة للنشر؟
كيف أترك أثرا، لا مجرد منشور؟
كيف أُرضي الله، لا الخوارزميات؟
وهنا..
ربما نكون قد بدأنا بالفعل نفهم معنى؛
"من المولد إلى الحياة"..
يتبع .

0 comments:
إرسال تعليق