رغم أن أدوار الوساطة الباكستانية والقطرية وغيرها لا تتوقف ، فإن فرص العودة إلى مفاوضات واشنطن وطهران تتراجع ، واحتمالات الذهاب إلى حرب ضارية مجددة تتصاعد ، وبالذات بعد انقضاء فترة الستين يوما التى كانت مقررة لسريان مذكرة التفاهم ، التى تصر طهران على العودة لنصوصها وبنودها ، واعتبارها أساسا ومرجعا لأى اتفاق لاحق ، فيما يميل الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" إلى استبعاد شبح المذكرة ، التى عدها الإيرانيون نصرا لهم وهزيمة لأمريكا ، وعلى حد تصريح بهذا المعنى أطلقه "محمد باقر قاليباف" كبير المفاوضين ورئيس البرلمان الإيرانى ، وأعاد المفاوضون الإيرانيون استنساخ شروط المذكرة كلزوم ما يلزم لإعادة فتح "مضيق هرمز" ، فيما يواصل "ترامب" إطلاق دعاياته النفسية البدائية ، وينشر على موقعه الاجتماعى "تروث سوشيال" خريطة للمضيق ، يشفعها بعبارة "أرض أمريكية جديدة" ، فى إشارة صريحة مباشرة لعزمه الاستيلاء الكلى على "مضيق هرمز" ، مع أن "ترامب" نفسه أكد مرارا ، أن البحرية الأمريكية تسيطر بالكامل على المضيق ، وهو زعم لا تسنده الوقائع المنظورة ، التى تؤكد استمرار سيطرة "الحرس الثورى" الإيرانى ، وإغلاقه المضيق تماما ، وإلى حد أنه لا تعبر سفينة ولا ناقلة واحدة فى بعض الأيام ، وعلى العكس تماما من مزاعم "ترامب" وإدارته ، وقد وصل الحال بالرئيس الأمريكى أنه ادعى وجود قناة اتصال وتفاوض سرى بين الأمريكيين وجماعة "الحرس الثورى" ، وهو ما جرى تكذيبه إيرانيا ، وعاد ترامب نفسه لتكذيب نفسه ، وقال أنه لا توجد أى مفاوضات من أى نوع .
وبالجملة ، فإنه
لا تبدو من فرص لتجديد التفاوض بين الإيرانيين والأمريكيين فى مدى قريب ، وقد صرنا
أمام أحجية من نوع "البيضة أم الفرخة أولا " ، فالإيرانيون ومجلسهم الأعلى
للأمن القومى وضعوا شروطا ستة لفتح "هرمز" ، أولها الرفع الفورى للحصار البحرى
الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، وإزالة العقوبات الأمريكية المفروضة على حرية تصدير
البترول الإيرانى ومشتقاته البتروكيماوية ، بينما لسان حال الإدارة الأمريكية يقول
العكس بالضبط ، وأنه لابد من فتح إيران للمضيق أولا ، ثم يرفع الحصار الأمريكى بعدها
.
وعلى مدى أيام
وأسابيع ، تصور البعض أن فك العقدة قد يأتى من خلال مفاوضات طهران مع "سلطنة عمان"
، وبالرغم من حدوث تقدم ما فى هذه المفاوضات ، فإن الإيرانيين صمموا على التفريق بين
مفاوضاتهم مع "عمان" لتنظيم الحركة فى المضيق ، وبين التفاهم مع واشنطن لفتح
"هرمز" ، واعتبروا أن التفاهم مع "عمان" لا يعنى تلقائيا تفاهما
مع واشنطن ، وهو ما زاد من جنون "ترامب" ، الذى هدد مجددا بقصف "سلطنة
عمان" نفسها .
ومع التغييرات
الأخيرة فى هيكل السلطة الإيرانية ، وتعيينات القائد "مجتبى خامنئى" فى قيادة
الجيش والحرس الثورى و"الباسيج" ، بدا النظام الإيرانى كأنه يستعد لجولة
تفاوض خشن أو لحرب جديدة ، فأغلبية أو حتى كل قرارات المرشد "مجتبى" ، مالت
إلى تغليب نفوذ العناصر الأكثر تشددا ، وهو ما بدا ظاهرا بالذات فى اختياره الجنرال
"محسن رضائى" أمينا عاما لمجلس الأمن القومى ، والمعروف أن "رضائى"
عبر عن عدم ارتياحه لفتوى الإمام الراحل "الخامنئى" بتحريم صناعة القنابل
الذرية ، وربما يعكس ذلك ميلا عند "مجتبى" نفسه للتخلص من فتوى التحريم
، خصوصا مع تصريحات غامضة صدرت عن الرئيس الإيرانى الإصلاحى "مسعود بزشكيان"
بعد لقاء السبع ساعات مع "مجتبى" ، قال "بزشيكان" أن حرمان إيران
من قدرات معينة ، هو الذى أتاح فرصا للعدوان الأمريكى "الإسرائيلى" المتكرر
عليها ، أضف إلى ذلك ما صار مستقرا اليوم فى اللهجة الإيرانية العسكرية بالذات ، وتعلق
بالانتقال فى الحرب من الدفاع إلى الهجوم ، والحديث عن إمكانية مبادرة إيران بفك الحصارالبحرى
الأمريكى بالقوة ، ومحصلة ما يجرى اليوم مع انسداد أبواب التفاوض ، أننا قد نكون بصدد
حرب
"حرب هرمز"
ومحيط المضيق والجزر الإيرانية القريبة منه أو المطلة عليه .
وصحيح أنه جرت
اشتباكات سبقت فى "مضيق هرمز" ، وبمبادرة من "ترامب" ، الذى أعلن
عن تنفيذ ما أسماه عملية "مشروع الحرية" مرات ، فشلت جميعا ، واستمرت إيران
فى إحكام قبضتها على المضيق الذى تعده أهم أوراقها الاستراتيجية ، وقنبلتها النووية
الاقتصادية ، الأهم من مخزون التخصيب النووى المرتفع ، ومن حوارات البرنامج النووى
الإيرانى المؤجلة عمليا مع تعثر "مذكرة التفاهم" ، فيما يبحث "ترامب"
عن "فتح هرمز" أولا ، وربما ينصحه جنرالاته بعدم الاكتفاء بالضغط الاقتصادى
الأقصى على إيران ، وتجريب فرص إنزال برى محدود على جنوب إيران ، والاستيلاء على جزيرة
"خارك" بالذات ، وهو اختيار عسكرى وسط ، لا يصل إلى حد المجازفة بغزو برى
أمريكى كامل لإيران ، لا يستطيع "ترامب " اتخاذ قرار فيه خوفا من التكاليف
البشرية الدمؤية المتوقعة لضباطه وجنوده ، والمزج بين تداعيات التحول الظاهر فى الروح
العسكرية الإيرانية مع مأزق "ترامب" الراهن ، قد يقود إلى توقع نشوب حرب
شاملة على مدارج الأيام والأسابيع القريبة ، وفى جغرافيا مضيق "هرمز" ومحيطه
بالذات.
وفى
اجتماعات أخيرة للجنرال "براد كوبر" قائد القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"
مع القادة العسكريين لكيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، قالت التسريبات أن "إسرائيل"
عرضت دورا تكامليا مع القوات الأمريكية فى استئناف هجوم شامل على إيران ، يتولى فيه
سلاح الجو "الإسرائيلى" شن غارات مدمرة على البنى التحتية المدنية الإيرانية
من الجسور ومحطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه لمدة 15 يوما متصلة ، وهو احتمال
وارد جدا ، خصوصا أن الجنرال "كوبر" أكثر حماسا لاستئناف حرب ضارية على إيران
، على عكس قائد الأركان الأمريكية المشتركة "دان كاين" ، الذى قيل أنه حذر
"ترامب" فى اجتماع سرى من تناقص ربما نفاد مخزون الصواريخ الهجومية والدفاعية
، وأنه لم يعد من حل عسكرى فى إيران عبر القصف الجوى مهما كانت ضراوته ، وقد يتجه "ترامب"
إلى تقبل خطط "كوبر" مع "الإسرائيليين" ، بعد أن أعيته حيل إخضاع
إيران بالضغط الاقتصادى ، وارتجاله لأكاذيب السيطرة الكاملة على "مضيق هرمز"
، ودعوة إيران إلى رفع راية الاستسلام التام بغير قيد ولا شرط (!) .
ومع شخص فى مثل
تقلبات "ترامب" الصباحية والمسائية ، فقد لا يستقر توقع بذاته لمدار حركته
وسلوكه ، وقد يعيد إلغاء كل خطط عسكرية ، وينتحل لنفسه عذرا بتدخل أحبابه فى المنطقة
، فهو يشعر غريزيا ، أن الطريق بات مسدودا أمامه فى إيران ، التى لا تخضعها حمم النار
ولا ضغوط الاقتصاد ، وتبدى رغبتها فى الانتقال من الردع الدفاعى إلى المبادرات الهجومية
، وبالذات فيما تعتبره إيران "خاصرة رخوة" لقواعد أمريكا وجوارها فى دول
خليجية وعربية مجاورة ، خصوصا مع احتفاظ إيران بأغلبية مخزونها من المسيرات والصواريخ
الجوالة "كروز" والباليستية الأدق فى إصاباتها ، وسعى النظام الإيرانى لإعادة
ترتيب صفوفه ، وتجنيد حلفاء إيران من "الحوثيين" والجماعات الموالية فى العراق
بالذات ، وإشراكهم فى حرب ممتدة زمنيا وجغرافيا ، وكسب أوقات حرب إضافية ، وعلى أمل
"زعزعة" موقف إدارة "ترامب" ، مع نتائج انتخابات التجديد النصفى
فى الثلاثاء الأول من نوفمبر المقبل ، وربما إغراق "ترامب" فى حرب استنزاف
مطولة ، قد تمتد إلى نهاية فترته الرئاسية الأخيرة ، ومد أزمة غلق "هرمز"
إلى أزمة مضافة فى مضيق "باب المندب" ، وعلى أمل مضاعفة تكلفة الحرب فى الداخل
الأمريكى ، وزيادة معدلات التضخم وأسعار المحروقات.
ونأمل ألا تكرر
إيران سلاسل الأخطاء إياها فى الجولات الحربية الجديدة المتوقعة ، فخاصرة أمريكا الرخوة
ليست فى دول الخليج ، خاصرة أمريكا الموجعة فى "إسرائيل" ، التى نقلت لها
واشنطن أغلب أصولها العسكرية فى المنطقة ، وقد يحسن الإيرانيون صنعا ، لو أنهم حولوا
مبادراتهم الهجومية إلى كيان الاحتلال وقواعد وأصول أمريكا فيه ، وقد كفت إيران ـ للأسف ـ
عن توجيه الضربات لكيان الاحتلال فى وقت طال ، واستئناف ضرب "إسرائيل" دون
انتظار ضرباتها هو الذى يفيد إيران أخلاقيا عند شعوب المنطقة ، خصوصا مع تضاعف شراسة
التوحش "الإسرائيلى" فى "غزة" و"الضفة الغربية" وفى
لبنان وسوريا ، حيث تقيم "إسرائيل" ما تسميه مناطقها الأمنية "الصفراء"
وتتوسع فيها ، وترفض الانسحاب من شبر منها ، فى الوقت الذى تكتفى فيه القيادة الإيرانية
بتصعيد "كلامى" ضد العدو الأصلى ، وتوجه نيرانها كثيرا ضد منشآت مدنية فى
دول عربية ، وتؤذى شعوبها ، وتصدهم عن تفهم قضيتها ، وتغفل عن توجيه نيرانها ضد "رأس
الأفعى" ، فالحرب على إيران كانت ولا تزال حربا "إسرائيلية" ، حتى وإن
جرت فى الكثير من جولاتها بجيوش أمريكية ، يعود جيش كيان الاحتلال للالتحاق بها قريبا
، ويلوى "بنيامين نتنياهو" ذراع "ترامب" فى اتفاقات "غزة"
ولبنان وسوريا ، ويواصل حروب إبادة لا تنتهى ، ويزايد بالدم العربى فى بورصة انتخابات
"الكنيست " القريبة .

0 comments:
إرسال تعليق