هناك صور لا تحتاج إلى شرح..
وصور أخرى تشرح وطنا كاملا دون أن تنطق بكلمة.
والرجل الذي يظهر في الصورة، وهو يقود "توكتوك"،
ليس مجرد سائق يبحث عن رزقه في زحام الشوارع..
ربنا يكون أستاذ لغة عربية أو رياضيات، أو أخصائى كبير صحافة
أو....أو... الخ.. قضى سنوات من عمره واقفا أمام السبورة، يحمل الطباشير بيد، ويحمل
رسالة أثقل من الجبال بيده الأخرى.
كان يعلم أبناءنا كيف يكتبون أول حروفهم، وكيف ينطقون كلماتهم،
وكيف يفرقون بين الحق والباطل، وبين الكرامة والهوان، وبين العلم والجهل.
واليوم..
بعد أن انتهت سنوات الخدمة، وجد نفسه يقود التوكتوك بحثا
عن قوت يومه!
#يا_مصر_بتعمليها_إزاي؟!
كيف يصل المعلم إلى هذه النقطة؟
كيف يتحول الرجل الذي أفنى عمره في صناعة الإنسان إلى إنسان
يبحث في نهاية عمره عن وسيلة تحفظ له الحد الأدنى من الحياة؟
نحن لا نتحدث هنا عن رفاهية..ولا عن سيارة فارهة، ولا عن
معاش يتيح للمعلم السفر إلى أوروبا في الصيف.
نحن نتحدث عن الكرامة.
عن أن يستطيع المعلم، بعد عشرات السنوات في مهنة شاقة، أن
يدفع فاتورة الكهرباء، ويشتري الدواء، ويساعد أبناءه، ويعيش ما تبقى من عمره دون أن
يمد يده لأحد.
ثم نعود، بكل ثقة، لنردد "قم للمعلم وفه التبجيلا..كاد
المعلم أن يكون رسولا"
جميل جدا!
لكن السؤال الذي يوجع القلب..
أين التبجيل عندما يخرج المعلم إلى الشارع بعد المعاش ليعمل
على توكتوك؟ مع احترامنا لهذه المهنة والعاملين بها لأنها "أكل عيشهم".
أين التبجيل عندما يصبح راتبه طوال سنوات الخدمة عاجزا عن
مواجهة احتياجات أسرة؟
أين التبجيل عندما ينظر المعلم إلى نهاية خدمته باعتبارها
بداية لأزمة جديدة، بدل أن تكون مكافأة معنوية ومادية على رحلة عمر؟
إن تكريم المعلم لا يكون بعبارة تكتب على لافتة، ولا بصورة
تلتقط في يوم المعلم، ولا بشهادة تقدير تعلق على جدار.
تكريم المعلم يبدأ من راتب يصون كرامته، وينتهي بمعاش يحفظ
إنسانيته.
والأكثر مرارة أن المعلم اليوم لا يعاني فقط من ضيق الحال،
وإنما أصبح محاصرا بين مطرقة الواقع وسندان منظومة تعليمية تحمله أحيانا مسؤولية نتائج
لم يصنعها وحده.
تقييمات مرهقة وبائسة، وأعباء إدارية لا تنتهي، ومناهج متغيرة،
وضغوط متزايدة، وفصول تعاني من مشكلات متراكمة، ثم نضع كل ذلك فوق كتفي المعلم ونطالبه
بأن يصنع لنا معجزة!
وكأن المطلوب من المعلم أن يكون مدرسا، وأخصائيا اجتماعيا،
ونفسيا، وإداريا، ومراقبا، ومصلحا اجتماعيا.. ثم نلومه عندما لا يستطيع أن يصنع من
الفشل نجاحا بالسحر!
والأخطر من ذلك أننا نريد من المعلم أن يخرج لنا طالبا متفوقا،
بينما منظومة التعليم نفسها تعاني من أزمات عميقة، ومستويات تحصيل لا تليق بتاريخ مصر
التعليمي.
#فاقد_الشيء_لا_يعطيه.
كيف نطلب من معلم مكسور اقتصاديا ونفسيا أن يزرع في أبنائنا
الثقة والطموح؟!
كيف نطالبه بأن يعلمهم معنى النجاح، بينما هو نفسه يشعر أن
سنوات عمره في المهنة لم تمنحه الأمان؟
كيف نقول للطالب "اجتهد.. فالعلم يصنع مستقبلك"،
بينما يرى أمامه معلمه الذي أفنى عمره في العلم يقود توكتوك كي يستطيع أن يعيش؟!
هذه ليست دعوة للاستهانة بمهنة سائق التوكتوك؛ فكل عمل شريف
يستحق الاحترام.
لكن المأساة أن أستاذا قضى عمره في التعليم اضطر إلى ممارسة
عمل إضافي بعد المعاش لا لأنه اختاره، وإنما لأن دخله لم يعد يكفيه.
وهنا يجب أن نتوقف أمام قضية أخرى شديدة الحساسية..قضية الأجور
والمعاشات، والفارق بين ما يحتاجه الإنسان لكي يعيش بكرامة، وما يحصل عليه فعليا.
فإذا ظل الأساسي الذي تبنى عليه حقوق المعلم وأجره مرتبطا
بسنوات قديمة، بينما أسعار كل شيء من حوله تتغير، فكيف يمكن أن نتحدث عن حياة كريمة؟
وإذا كان ما يقدم للمعلم من تحسينات أو زيادات يأتي في صورة
مبالغ لا تواكب الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة، فهل من العدل أن نعتبر ذلك كافيا؟
المعلم لا يريد صدقة.
المعلم يريد حقا.
لا يريد منة من أحد.
يريد نظاما عادلا للأجور والمعاشات، يراعي سنوات خدمته، ويحفظ
له مكانته، ويمنحه شعورا بأن الدولة التي خدمها لم تنسه عندما أصبح خارج أسوار المدرسة.
#يا_سادة…
المعلم ليس مجرد موظف.
إنه الرجل الذي نقف أمامه جميعا عندما نريد أن نتحدث عن مستقبل
الوطن.
فكيف نطالب الوطن بمستقبل أفضل، ونحن لا نمنح من يصنع هذا
المستقبل حياة تليق به؟
إن صورة المعلم الذي يقود التوكتوك ليست عيبا في الرجل.
الرجل يعمل، والعمل الشريف لا يعيب صاحبه.
العيب الحقيقي أن يصل صاحب رسالة نبيلة إلى هذا العمر، ثم
يجد أن الدولة والمجتمع لم يوفرا له الحد الأدنى من الأمان.
العيب أن نحتفي بالمعلم في الكلمات، ونخذله في الأرقام.
أن نرفع صوته في الاحتفالات، ونخفض قيمته في كشوف المرتبات.
أن نقول له: "أنت صانع الأجيال"، ثم نتركه في نهاية
الطريق يبحث عن عمل إضافي ليطعم أبناءه.
وهنا تصبح الصورة أكبر من صاحبها.
إنها صورة لمنظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة صادقة وشجاعة.
لا نريد مزيدا من الشعارات.
لا نريد خطبا عن "بناء الإنسان" بينما الإنسان
الذي يبني الإنسان لا يجد ما يكفيه.
لا نريد أن نطلب من المعلم التضحية إلى ما لا نهاية.
لقد ضحى بالفعل.
وقف في الفصول، وتحمل أعباء المهنة، وتعامل مع أجيال متعاقبة،
وقاوم ضغوطا لا يعلمها إلا من عاش داخل المدرسة.
#فى_النهاية_بقى_أن_نقول؛الآن جاء دور المجتمع والدولة.
دورهم أن يردوا للمعلم بعضا مما أعطاه.
فإذا أردنا تعليما قويا، فعلينا أن نبدأ بالمعلم.
وإذا أردنا طالبا ناجحا، فعلينا أن نصنع أولا معلما يشعر
بالأمان.
وإذا أردنا أن نغرس في أبنائنا قيمة العلم، فعلينا أن نجعل
صاحب العلم يعيش بكرامة.
أما أن نطلب من المعلم أن يصنع المستقبل، ثم نتركه عاجزا
عن تأمين حاضره ومستقبله..
فهنا يجب أن نسأل أنفسنا بكل صدق؛
يا مصر.. بتعمليها إزاي؟!
كيف يصبح من علم أبناءنا معنى "الكرامة"مضطرا للبحث
عنها في آخر العمر؟
كيف يصبح من علمهم "العمل" مضطرا للعمل حتى تذوب
سنوات عمره الأخيرة؟
وكيف يصبح من قال لهم إن "العلم نور" واقفا في
نهاية الطريق أمام سؤال مؤلم؛هل كان العلم يكفي صاحبه ليعيش؟
المعلم المصري لا يريد تمثالا.
ولا يريد قصيدة.
ولا يريد تصفيقا.
يريد راتبا عادلا.. ومعاشا كريما.. ومكانة تليق برسالته.
فالمعلم الذي يفقد كرامته اليوم، لا يخسر وحده.
إنما نخسر نحن جميعا جزءا من صورة مصر التي نحلم بها.
وحين يصبح "سائق التوكتوك" في الصورة أستاذا، فربما
لا تكون الصورة هي التي تحتاج إلى تعديل..
ربما نحن الذين نحتاج إلى إعادة كتابة المشهد كله..!!

0 comments:
إرسال تعليق