• اخر الاخبار

    السبت، 22 أغسطس 2026

    سلسلة من المولد إلى الحياة ماذا تعلمنا من سدنا النبى؟..حين كان الوقت أغلى من الذهب.. ماذا تعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟..المقال الثامن بقلم: حافظ الشاعر

     


     

    هناك أشياء إذا ضاعت يمكن أن تعود..

    المال يمكن أن يعود.

    الهاتف يمكن أن يستبدل.

    البيت يمكن أن يرمم.

    العمل يمكن أن يتغير.

    حتى بعض العلاقات يمكن أن تصلحها الأيام.

    لكن هناك شيء واحد إذا خرج من يدك..

    لن يعود أبدا.

    إنه الوقت.

    الدقيقة التي مرت منذ قليل لن تعود.

    والساعة التي أهدرتها أمس لن تستطيع شراءها اليوم.

    والشباب الذي عبر لن تعيده الأمنيات.

    والطفولة التي مرت بأبنائك لن تستطيع أن تطلب منها العودة.

    ولهذا أقسم الله بالزمن نفسه "وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"

    كأن القرآن يوقظ الإنسان من غفلته ويقول له؛

    انتبه.. أنت لا تخسر المال فقط، أنت تخسر من عمرك.

    وفي ذكرى مولد سدنا النبى صلى الله عليه وسلم ، نحتاج أن نسأل؛

    كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الوقت؟

    وماذا يمكن أن نتعلم نحن، الذين يعيشون في عصر تسرق فيه الشاشات الساعات دون أن نشعر؟

    نحن لا نملك الوقت.. نحن نملك لحظة

    نقول كثيرا؛

    (لما أفضى هعمل).

    (لما الظروف تتحسن هبدأ).

    (لما أخلص شغلي هقرأ).

    (لما الأولاد يكبروا هقعد معاهم).

    (لما أرتاح هقرب من ربنا).

    ثم تمر السنوات.

    وفجأة..

    نكتشف أن (بعد قليل)أصبحت (بعد سنوات).

    وأن الأشياء التي أجلناها كثيرا لم تعد تنتظرنا.

    كم من أب كان يظن أن أمامه سنوات طويلة مع أبنائه، ثم اكتشف أن ابنه كبر وأصبح له عالمه الخاص؟

    كم من إنسان قال؛

    "سأتوب غدا".

    ثم جاء الغد ولم يأت معه التغيير؟

    كم من شاب قال؛

    "سأبدأ مشروعي".

    ثم مرت السنوات وبقي المشروع فكرة؟

    المشكلة أننا نتعامل مع الوقت وكأنه مخزن لا ينفد.

    لكن الحقيقة؛

    كل يوم يمر يأخذ معه قطعة من أعمارنا.

    "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس"

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.. الصحة والفراغ".

    الحديث قصير..

    لكن خلفه بحر من المعاني.

    الصحة..

    والفراغ.

    نعمتان قد لا نعرف قيمتهما إلا بعد أن نفقدهما.

    الشاب الذي يملك صحة جيدة ويقول؛

    "لسه بدري"..

    قد يأتي يوم يتمنى فيه ساعة من النشاط.

    والإنسان الذي يملك وقتا ثم يملأه كله بالهاتف والتصفح..

    قد يأتي يوم يتمنى فيه دقيقة إضافية ليقول كلمة لأبيه أو أمه أو شخص فقده.

    ولهذا فإن السؤال ليس؛

    كم ساعة أملك؟

    بل..

    ماذا صنعت بهذه الساعات؟

    عصر السرعة.. وبطء الإنجاز

    نحن نعيش أسرع عصر عرفه الإنسان.

    رسالة تصل في ثانية.

    صورة تصل في ثانية.

    خبر ينتشر في دقائق.

    اجتماع يمكن أن يتم عن بعد.

    كتاب يمكن تحميله فورا.

    فيديو يمكن مشاهدته في أي وقت.

    ومع ذلك..

    يشكو كثيرون من أنهم لا يملكون وقتا.

    كيف؟

    لأن السرعة التي جاءت بها التكنولوجيا لم تمنحنا وقتا إضافيا..

    بل جعلتنا نملأ الوقت بأشياء أكثر.

    وهنا المفارقة:

    كلما وفرت التكنولوجيا وقتا، بحثنا عن شيء جديد لنستهلكه.

    الهاتف وفر لنا الوقت..

    فأخذ منا ساعات.

    الإنترنت قرب لنا العالم..

    فأصبحنا نعيش في عشرات العوالم في الوقت نفسه.

    وهكذا لم يعد الإنسان مشغولا فقط..

    بل أصبح مشتتا.

    التشتت.. لص العصر الحديث

    قد تجلس أمام كتاب..

    لكن هاتفك بجوارك.

    تبدأ القراءة..

    يأتي إشعار.

    ترد.

    تعود للكتاب.

    تفتح تطبيقا.

    تتذكر رسالة.

    تدخل منصة.

    ترى فيديو.

    تقرأ تعليقا.

    ترد على تعليق.

    ثم تكتشف أنك أمضيت نصف ساعة..

    ولم تقرأ سوى سطرين.

    هذه ليست مشكلة وقت فقط.

    إنها مشكلة تركيز.

    والإنسان الذي يفقد القدرة على التركيز يفقد شيئا من قدرته على الإنجاز.

    ولهذا نحتاج إلى أن نتعلم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم معنى حضور القلب.

    أن تكون مع من أمامك.

    أن تستمع.

    أن تعطي الشيء حقه.

    أن لا تجعل عقلك موزعا بين عشرات الأشياء.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف قيمة اللحظة

    لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش حياة عبثية.

    كان لكل لحظة معناها.

    عبادة.

    تعليم.

    دعوة.

    أسرة.

    مجتمع.

    عمل.

    راحة.

    وحتى الراحة في حياة الإنسان ليست ضياعا إذا أعادته أقوى إلى العمل والطاعة.

    وهذا درس مهم لنا.

    ليس المطلوب أن تعمل 24 ساعة.

    ولا أن تعيش تحت ضغط دائم.

    بل المطلوب أن تعرف..

    متى تعمل؟

    ومتى ترتاح؟

    ومتى تعبد؟

    ومتى تجلس مع أهلك؟

    ومتى تخلو بنفسك؟

    التوازن ليس أن تفعل كل شيء في وقت واحد..

    بل أن تعطي كل شيء وقته.

    لا تجعل (الريلز) يأكل عمرك

    هناك فرق بين أن تستريح عشر دقائق..

    وأن تبدأ بعشر دقائق وتنتهي بعد ساعتين.

    المشكلة ليست في فيديو مضحك.

    ولا في صورة جميلة.

    ولا في متابعة الأخبار.

    المشكلة في أن يتحول الأمر إلى سلوك آلي.

    تفتح الهاتف دون سبب.

    تغلقه.

    ثم تفتحه مرة أخرى.

    تبحث عن شيء لا تعرفه.

    وتنتقل من مقطع إلى آخر.

    حتى يصبح التصفح هو رد فعلك الطبيعي تجاه..

    الملل..

    والقلق..

    والوحدة..

    والغضب..

    والفراغ.

    وهنا نحتاج أن نسأل أنفسنا؛

    هل أستخدم الهاتف لأنني أحتاجه.. أم لأنني لا أستطيع أن أكون وحدي مع نفسي؟

    يا شباب.. لا تؤجلوا الحياة

    لا تنتظر أن تصبح غنيا حتى تسعد.

    لا تنتظر الوظيفة المثالية حتى تعمل.

    لا تنتظر الظروف المثالية حتى تبدأ.

    لا تنتظر أن يختفي كل مشاكلك حتى تقترب من الله.

    الحياة لا تأتي في نسخة مثالية.

    ستظل هناك مشكلة.

    وهناك مسؤولية.

    وهناك ضغط.

    وهناك شيء ناقص.

    لكن داخل كل ذلك توجد مساحة يمكنك أن تصنع فيها شيئا جميلا.

    ابدأ اليوم.

    اقرأ صفحة.

    صل بخشوع.

    اتصل بوالدتك.

    اجلس مع أبيك.

    احتضن ابنك.

    سامح شخصا.

    تعلم مهارة.

    أنجز عملا.

    ساعد محتاجا.

    اكتب كلمة طيبة.

    كل هذه الأشياء الصغيرة..

    هي الحياة.

    لا تؤجل والديك

    هناك جملة مؤلمة جدا؛

    "يا ريتني كنت قعدت معاه أكتر".

    كثيرون لا يقولونها إلا بعد فوات الأوان.

    كان الأب موجودا..

    لكن الهاتف كان أهم.

    كانت الأم تنادي..

    لكن الإنسان كان مشغولا.

    كان الطفل يريد أن يلعب..

    لكن الأب قال..

    "بعدين".

    ثم كبر الطفل.

    وكبر الأب.

    وضاع "بعدين".

    قال الله تعالى"وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا".

    الإحسان ليس منشورا في عيد الأم.

    الإحسان وقت.

    وجلوس.

    واستماع.

    وسؤال.

    ومساعدة.

    وحضور.

    الوقت في الإسلام ليس فراغا

    من الأخطاء أن نتصور أن وقت العبادة فقط هو الوقت المهم.

    كل وقت يمكن أن يتحول إلى عبادة إذا أحسنت استخدامه.

    عملك بإخلاص عبادة.

    رعايتك لأسرتك عبادة.

    تعلمك علما نافعًا عبادة.

    مساعدة إنسان عبادة.

    حتى الراحة إذا نويت بها الاستعانة على الخير يمكن أن تكون ذات معنى.

    ولهذا لا نحتاج إلى أن نهرب من الدنيا.

    نحتاج أن نعطي الدنيا معناها الصحيح.

    #رسالة_إلى_قارئ_اليوم

    أريد منك اليوم أن تفعل شيئا بسيطا؛

    افتح هاتفك..

    وانظر إلى وقت استخدام التطبيقات.

    لا تخف من الرقم.

    واجهه.

    ثم اسأل نفسك؛

    كم ساعة أعطيت للشاشة هذا الأسبوع؟

    وكم ساعة أعطيت لوالديك؟

    كم ساعة أعطيت لأبنائك؟

    كم ساعة أعطيت لقراءة القرآن؟

    كم ساعة أعطيت لتطوير نفسك؟

    كم ساعة أعطيت للعمل الحقيقي؟

    قد تكون الإجابة مؤلمة..

    لكن مواجهة الحقيقة أفضل من الهروب منها.

    ثم اختر ساعة واحدة فقط من وقت الشاشة كل يوم..

    وأعدها إلى حياتك.

    ساعة واحدة.

    في سنة كاملة..

    ستكتشف أنك استعدت 365 ساعة.

    أي أكثر من خمسة عشر يوما كاملا.

    تخيل ماذا يمكن أن تفعل بخمسة عشر يوما من عمرك!

    #من_المولد_إلى_الحياة

    حين نتذكر سدنا النبى صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي أن نتذكر فقط أحداث السيرة..

    بل ينبغي أن نتعلم منها كيف نعيش.

    فالرسالة ليست أن نعرف كم عاش النبي صلى الله عليه وسلم فقط..

    بل أن نسأل؛

    كيف عاش؟

    وماذا صنع في السنوات التي أعطاها الله له؟

    لقد رحل صلى الله عليه وسلم

    لكن أثره لم يرحل.

    وهنا سر عظيم؛

    العمر ليس بعدد السنوات.. وإنما بما تتركه السنوات.

    قد يعيش إنسان خمسين عاما ولا يترك وراءه إلا صورا وذكريات.

    وقد يعيش إنسان سنوات أقل..

    ويترك أثرا يمتد قرونا.

    فلا تسأل؛

    كم بقي لي؟

    اسأل؛

    ماذا سأفعل بما بقي؟

    قد لا تستطيع أن تتحكم في عدد السنوات التي ستعيشها..

    لكن تستطيع أن تتحكم في قيمة الأيام التي تعيشها.

    وفي ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..

    لا تجعل الاحتفال مجرد ساعات.

    اجعل منه قرارا؛

    لن أترك بقية عمري للصدفة.

    لن أسمح للهاتف أن يأكل أيامي.

    لن أؤجل والدي.

    لن أؤجل التوبة.

    لن أؤجل العلم.

    لن أؤجل الخير.

    لن أقول دائما..

    غدا.

    فربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله في ذكرى المولد..

    أن تبدأ اليوم.

    لأن غدا ليس ملكك.

    أما هذه اللحظة..

    فهي كل ما تملك.

    يتبع ..

     

    الخبر التالي
    هذا اخر خبر
    رسالة أقدم
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: سلسلة من المولد إلى الحياة ماذا تعلمنا من سدنا النبى؟..حين كان الوقت أغلى من الذهب.. ماذا تعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟..المقال الثامن بقلم: حافظ الشاعر Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top