في زمن أصبح فيه الحب صورة تنشر، وكلمة تكتب، وقلبا أحمر
نضعه تحت منشور، وصورة تجمعنا بمن نحب كي يراها الآخرون..
أصبحنا نسأل أحيانا؛
هل يحبني الناس؟
ثم نذهب إلى الهاتف بحثا عن الإجابة.
كم شخصا أعجب بصورتي؟
كم شخصا كتب تعليقا جميلا؟
كم شخصا شاهد ما نشرت؟
كم شخصا تذكر عيد ميلادي؟
كم شخصا ضغط على زر الإعجاب؟
وكأننا نقلنا مشاعرنا من القلب إلى الشاشة..
وأصبحنا نطلب من الآخرين شهادة يومية بأننا محبوبون.
لكن في ذكرى مولد سدنا النبى صلى الله عليه وسلم ، دعونا
نعود إلى معنى آخر للحب..
حب لا يحتاج جمهورا.
حب لا يحتاج كاميرا.
حب لا ينتظر "لايك".
حب يقاس بما تقدمه للإنسان حين لا يراك أحد.
إنه الحب الذي علمنا إياه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
كان يحب الناس.. لا الجمهور
كان يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الناس يحبونه
بالكلمات فقط، لكنه جعل الحب سلوكا.
كان يبتسم.
يسأل عن الغائب.
يعود المريض.
يرحم الصغير.
يوقر الكبير.
يساعد المحتاج.
ويعطي كل إنسان شعورا بأنه مهم.
لم يكن الإنسان أمامه مجرد رقم في جماعة.
كان إنسانا.
وهذه الكلمة وحدها تكفي لنفهم كم فقد عالمنا المعاصر من المعنى.
فنحن اليوم نملك آلاف الأصدقاء على مواقع التواصل..
لكن كم واحدا منهم يعرف وجعك؟
وكم واحدا منهم يعرف أنك لم تنم الليلة الماضية؟
وكم واحدا منهم يمكن أن يطرق بابك عندما تحتاج إليه؟
وكم واحدا منهم سيجلس بجوارك في صمت عندما تعجز عن الكلام؟
هنا الفرق بين المتابعة والمحبة.
بين أن يعرف الناس اسمك..
وأن يعرف أحدهم قلبك.
#رحمة_للعالمين
لم يكن حضور النبي صلى الله عليه وسلم في حياة الناس حضورا
عابرا.
قال الله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِّلْعَالَمِينَ"
تأملوا الكلمة:
رحمة.
لم يقل القرآن إن رسالته كانت للذين يحبونه فقط.
بل للعالمين.
رحمة للضعيف.
رحمة للفقير.
رحمة لليتيم.
رحمة للمريض.
رحمة للطفل.
رحمة لمن أخطأ.
حتى من اختلف معه، لم يكن الاختلاف عنده سببا لإلغاء إنسانية
الآخر.
وهنا نحتاج إلى هذه الروح في زمن أصبحت فيه الخصومة أسرع
من المصالحة.
#لماذا_أصبحنا_نكره_بهذه_السرعة؟
لأن الشاشة جعلت الإنسان أمامنا مجرد صورة واسم.
لا نراه إنسانا له ظروفه.
لا نعرف تاريخه.
لا نعرف ما مر به.
نقرأ تعليقا لا يعجبنا..
فنهاجم صاحبه.
نختلف مع شخص سياسيا..
فنسبه.
نختلف مع شخص رياضيا..
فنلعنه.
نختلف مع شخص فكريا..
فنحوله إلى عدو.
ثم نغلق الهاتف ونقول؛
"عادي.. مجرد تعليق".
لكن خلف التعليق إنسان.
وراء الحساب قلب.
وقد تكون الكلمة التي كتبتها في ثوان قد بقيت في قلب إنسان
سنوات.
الحب الحقيقي يظهر وقت الخلاف
من السهل أن تحب من يوافقك.
ومن السهل أن تبتسم لمن يمدحك.
ومن السهل أن تحترم من يعطيك ما تريد.
لكن الأخلاق تظهر عندما تختلف.
عندما يغضب منك إنسان..
هل تظلمه؟
عندما يختلف معك..
هل تشهر به؟
عندما يخطئ..
هل تفضحه؟
عندما تستطيع أن تنتقم..
هل تعفو؟
هنا يصبح الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حقيقيا.
قال الله تعالى: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"
تأملوا التدرج؛
كظم الغيظ..
ثم:
العفو..
ثم:
الإحسان.
وكأن الإسلام لا يريد منك فقط أن تتوقف عن الانتقام..
بل يريد أن ترتقي إلى مرتبة الإحسان.
ليس كل شيء يستحق "سكرين شوت"
نحن نعيش زمنا أصبحت فيه الخصوصية مهددة.
رسالة خاصة يمكن أن تتحول إلى منشور.
صورة أرسلتها لشخص يمكن أن تنتشر.
محادثة بين اثنين قد تصبح مادة للضحك أمام آلاف.
وهنا أين الحب؟
أين الأمانة؟
أين الستر؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم "من ستر مسلما ستره الله
في الدنيا والآخرة".
فليس كل ما تعرفه يجب أن تنشره.
وليس كل سر تملكه يصبح حقا للجمهور.
وليس كل خطأ رأيته في إنسان يمنحك الحق في فضحه.
بعض الأشياء مكانها القلب.. لا الشاشة.
يا شباب.. لا تبحثوا عن الحب في عدد المتابعين
قد يكون لديك مائة ألف متابع..
وتشعر بالوحدة.
وقد تحصل صورتك على آلاف الإعجابات..
ولا تجد شخصا يطمئن عليك.
وقد يعرف اسمك آلاف الأشخاص..
ولا يعرف أحد كيف يبكي قلبك.
لذلك لا تجعل قيمتك مرتبطة بتفاعل الآخرين معك.
أنت لست رقما.
ولست "لايك".
ولست عدد المشاهدات.
قيمتك أكبر من ذلك.
قال الله تعالى "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"
كرامة الإنسان ليست منحة من الجمهور.
هي تكريم من الله.
الحب يبدأ من البيت
ربما نحتاج أن نتحدث عن الحب في المكان الذي ننساه أكثر؛
البيت.
كم أبا يرسل قلبا أحمر لابنه على "واتساب"، لكنه
لا يجلس معه عشر دقائق؟
كم أما تضع صورة جميلة لابنتها، لكنها لا تعرف ما الذي يؤلمها؟
كم زوجا يكتب كلمات رومانسية على مواقع التواصل، لكنه لا
يقول كلمة طيبة لزوجته في البيت؟
كم ابن ينشر صورة لأمه في عيد الأم، ثم يرفع صوته عليها في
اليوم التالي؟
هنا تظهر المفارقة؛
نحن أصبحنا نجيد إعلان الحب.. ونحتاج أن نتعلم ممارسته.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال"خيركم خيركم لأهله، وأنا
خيركم لأهلي".
فالحب الحقيقي لا يبدأ من الصفحة الشخصية.
الحب الحقيقي يبدأ من أقرب إنسان إليك.
#وماذا_عن_الضعفاء؟
من أجمل ما في السيرة النبوية أن قيمة الإنسان لم تكن مرتبطة
بمكانته الاجتماعية.
كان الضعيف يجد له مكانا.
والفقير يجد الرحمة.
واليتيم يجد العناية.
والخادم يجد الاحترام.
والطفل يجد الابتسامة.
وهذه رسالة نحن في أمس الحاجة إليها.
ففي زمن أصبحت فيه بعض المنصات ترفع من يملك المال والشهرة
والجمال..
علينا أن نتذكر أن ميزان الله مختلف.
قال تعالى"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"
ليس الأغنى.
ولا الأشهر.
ولا الأكثر متابعين.
ولا صاحب السيارة الأغلى.
الأكرم عند الله هو الأتقى.
لا تجعل السوشيال ميديا تسرق إنسانيتك
يمكنك أن تستخدم مواقع التواصل لتقول كلمة طيبة.
لتدعم موهبة شاب.
لتساعد محتاجا.
لتدافع عن مظلوم بالدليل والحق.
لتنشر علما.
لتصل رحمك.
لتطمئن على صديق.
لتنشر الأمل.
لتجمع الناس على الخير.
فليس المطلوب أن نهرب من التكنولوجيا.
المطلوب أن ندخل إليها شيئا من أخلاقنا.
اجعل حسابك مكانا يشعر فيه الناس بالأمان، لا بالخوف.
اجعل كلماتك بلسما، لا سكينا.
اجعل اختلافك محترما.
واجعل نجاحك سببا في رفع الآخرين، لا تحقيرهم.
#الحب_الذي_لا_يحتاج_لايك.
هناك حب جميل لا يراه أحد.
أب يضع يدا على كتف ابنه ويقول له "أنا فخور بك".
أم تدعو لابنتها في آخر الليل.
صديق يترك كل شيء ليقف بجوار صديقه.
جار يطرق الباب بطبق طعام دون مناسبة.
إنسان يرى محتاجا فيساعده دون أن يصوره.
شخص يسامح من ظلمه دون أن يخبر العالم أنه سامحه.
هذا هو الحب الذي لا يحتاج "لايك".
لأنه مكتوب في مكان آخر..
في السماء.
رسالة إلى قارئ اليوم
قبل أن تسأل:
"من يحبني؟"
اسأل"من أحب أنا؟"
وقبل أن تبحث عن عدد من يتابعونك..
انظر إلى عدد من يحتاجونك.
وقبل أن تغضب من شخص..
اسأل نفسك.. هل يمكن أن أعفو؟
وقبل أن تفضح مخطئا..
اسأل.. هل يمكن أن أستر؟
وقبل أن تكتب كلمة قاسية..
تخيلها لو قيلت لك.
ثم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل الناس يحبونه
بكثرة الكلام عن الحب..
بل جعلهم يرون الحب في أفعاله.
#من_المولد_إلى_الحياة
في ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ربما لا نحتاج
إلى أن نكتب آلاف المنشورات عن الحب..
ربما نحتاج إلى منشور واحد صادق، وكلمة واحدة طيبة، وفعل
واحد رحيم.
لا تجعل محبتك للنبي صورة تغيرها كل عام.
اجعلها خلقا يتغير به شيء فيك.
إذا أحببته..
فارحم.
إذا أحببته..
فاعف.
إذا أحببته..
فلا تظلم.
إذا أحببته..
فاحفظ أسرار الناس.
إذا أحببته..
فأكرم والديك وأهلك وجيرانك.
إذا أحببته..
فلا تجعل هاتفك مكانا لتدمير الآخرين.
وإذا أحببته حقا..
فاسأل نفسك كل ليلة..
هل كان في يومي شيء يشبه سدنا النبى صلى الله عليه وسلم؟
ربما ابتسامة.
ربما عفو.
ربما صدق.
ربما مساعدة.
ربما كلمة طيبة.
وربما موقفا صغيرًطا لم يره أحد..
لكن الله رآه.
وهذا هو الحب الذي لا يحتاج "لايك".
الحب الذي لا يبحث عن جمهور.. لأن الله هو الشاهد.
ومن هنا نواصل رحلتنا من المولد إلى الحياة..
فإذا كان الحب خلقا، فهناك خلق آخر أصبح مهددا بشدة في زمن
السرعة والمنصات..
الوقت.
كيف نحفظ ما تبقى من أعمارنا قبل أن تبتلعها الشاشة؟
يتبع ..

0 comments:
إرسال تعليق