• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

    القاضي المزيف.. مجرم ام ضحية مجتمع..بقلم : إبراهيم شرف

     

     


    منصة القضاء ليست مكانًا للعبث، وانتحال صفة القاضي جريمة لا يمكن تبريرها أو التقليل من خطورتها، خصوصًا عندما تتحول الصفة الوهمية إلى وسيلة لخداع الناس والحصول على أموالهم.

    لكن وسط حالة الغضب والسخرية التي صاحبت قصة «القاضي المزيف» التي شغلت الرأي العام في مصر، أجد نفسي أمام سؤال مختلف:

    هل نحن أمام مجرم فقط؟ أم أمام إنسان مهزوم صنع لنفسه عالمًا من الوهم، ثم صدقه هو قبل أن يصدقه الآخرون؟

    القضية، وفق ما أعلنته التحقيقات المتداولة، تتعلق بشخص انتحل صفة قضائية، واستعان بموظفين داخل المحكمة للدخول والتصوير، واستخدم تلك الصور ومقاطع الفيديو لإقناع آخرين بامتلاكه سلطة ونفوذًا قضائيًا. وهذه أفعال يجب أن يأخذ القانون مجراه فيها دون تهاون.

    لكنني لا أريد أن أراه من زاوية «النصاب الذي خدع الناس» فقط.

    أريد أن أراه من زاوية أخرى أكثر قسوة وألمًا:

    ماذا لو كان هذا الرجل في الأصل ضحية مجتمع جعل قيمة الإنسان في اللقب؟

    مجتمع يسأل عن الوظيفة قبل أن يسأل عن الإنسان، وعن المنصب قبل الأخلاق، وعن النفوذ قبل الكفاءة، وعن «ابن مين؟» قبل أن يسأل: «أنت مين؟».

    في مجتمع كهذا، قد يشعر شاب بأنه لا قيمة له ما لم يحمل لقبًا كبيرًا.

    قد يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، فيبدأ في صناعة باب من الوهم.

    يرتدي الزي الذي يمنحه الهيبة، يجلس في المكان الذي يمنحه السلطة، يصور نفسه في الوضع الذي يمنحه الاحترام، ثم يبدأ تدريجيًا في تصديق الصورة التي صنعها.

    وهنا تبدأ المأساة.

    المجتمع أحيانًا لا يصنع الجريمة مباشرة، لكنه قد يصنع البيئة النفسية التي تجعل الوهم مغريًا.

    نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الصورة أقوى من الحقيقة.

    صورة أمام سيارة فارهة، صورة داخل مكتب فاخر، صورة بجوار شخصية مهمة، صورة بملابس رسمية... وفي أحيان كثيرة لا يسأل أحد: كيف وصل صاحب الصورة إلى هذا المكان؟

    المهم أن الصورة موجودة.

    والمفارقة أن «القاضي المزيف» استخدم الصورة نفسها لإقناع الآخرين بأنه صاحب سلطة، قبل أن تتحول هذه الصور إلى جزء من الأدلة التي كشفت حقيقته.

    وهنا يجب أن نتوقف.

    لا يجوز أن يتحول الرجل إلى بطل في نظر البعض لمجرد أنه نجح في خداع الآخرين، كما لا يجوز أن يتحول إلى مادة للسخرية والإهانة والتشهير.

    القانون يحاسب على الفعل، أما المجتمع فعليه أن يحاسب نفسه أيضًا على المناخ الذي يجعل بعض الناس يهربون من واقعهم إلى شخصيات وهمية.

    أنا لا أدعو إلى تبرئة من أخطأ.

    ولا أدعو إلى تجاهل حقوق من تعرضوا للخداع.

    ولا أطلب أن تكون هناك حصانة اجتماعية لمن يرتكب جريمة.

    لكنني أدعو إلى شيء مختلف:

    أن نحاكم الفعل دون أن نسحق الإنسان.

    فقد يكون العقاب ضروريًا، لكن الإذلال ليس عدالة.

    وقد يكون الحساب واجبًا، لكن التشهير ليس إصلاحًا.

    وقد يكون الرجل قد ارتكب خطأً جسيمًا، لكن علينا أن نسأل: لماذا احتاج إلى أن يصبح شخصًا آخر؟

    هل كان يبحث عن المال فقط؟

    أم كان يبحث أيضًا عن احترام افتقده؟

    عن مكانة لم يجدها؟

    عن تقدير لم يحصل عليه؟

    عن اعتراف من مجتمع لا يمنح الإنسان قيمته إلا إذا حمل لقبًا كبيرًا؟

    هذه الأسئلة لا تعفيه من المسؤولية، لكنها تجعلنا أكثر إنسانية في فهم القضية.

    والأخطر من «القاضي المزيف» نفسه أن يصبح لدينا مجتمع يقدس المظهر إلى الدرجة التي يستطيع معها شخص أن يقنع آخرين بأنه صاحب سلطة لمجرد أنه ارتدى رمزًا من رموزها.

    فالمشكلة هنا ليست في رجل واحد فقط.

    المشكلة في قابلية البعض لتصديق الوهم عندما يكون الوهم مصحوبًا بالهيبة.

    ولهذا، فإن قصة «القاضي المزيف» يجب ألا تنتهي عند القبض عليه أو محاكمته.

    يجب أن تكون درسًا لنا جميعًا.

    درسًا للمؤسسات في ضرورة إحكام أبوابها ومنع استغلالها.

    ودرسًا للمجتمع في ألا يقيس الإنسان بلقبه.

    ودرسًا للإعلام ومواقع التواصل في أن نعرف الفرق بين النقد والتشهير، وبين كشف الحقيقة وتحويل الإنسان إلى فرجة.

    ودرسًا لكل أب وأم أن يقولوا لأبنائهم:

    لا تحتاج إلى أن تكون قاضيًا أو ضابطًا أو مسؤولًا أو صاحب نفوذ حتى تكون إنسانًا محترمًا.

    قيمتك ليست في الكرسي الذي تجلس عليه.

    ولا في البدلة التي ترتديها.

    ولا في اللقب الذي يسبق اسمك.

    قيمتك في أخلاقك، وعملك، وصدقك، وقدرتك على أن تعيش باسمك الحقيقي دون أن تختبئ خلف شخصية وهمية.

    ربما يكون «القاضي المزيف» قد أخطأ في الطريق.

    وربما تكون له مسؤولية جنائية يجب أن يتحملها كاملة إذا ثبتت الاتهامات بحقه.

    لكن قبل أن نغلق ملفه بالسخرية والشتائم، علينا أن ننظر إلى المرآة ونسأل أنفسنا:

    هل صنع هذا الرجل وحده هذا الوهم؟

    أم أن مجتمعًا قاسيًا، لا يرى الإنسان إلا من خلال منصبه وملابسه وعلاقاته، ساعده دون أن يدري على تصديق أن قيمته لا تكون إلا إذا أصبح «شخصًا مهمًا»؟

    قد يكون الجاني أمامنا...

    لكن خلف الجاني، ربما يقف مجني عليه آخر: إنسان هزمته الحاجة إلى الاعتراف، وهزمه مجتمع لم يتعلم بعد أن يحترم الإنسان قبل اللقب.

     

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: القاضي المزيف.. مجرم ام ضحية مجتمع..بقلم : إبراهيم شرف Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top