لم تكن علاقة مصر بقطاع غزة يوماً علاقة حدود جغرافية فحسب،
بل ارتبطت على مدى عقود بالتاريخ والحرب والقضية الفلسطينية والأمن القومي المصري.
فغزة، الواقعة على الحدود الشمالية الشرقية لمصر، شكلت باستمرار نقطة التقاء بين المصالح
المصرية والقضية الفلسطينية، فيما بقيت مدينة رفح ومعبرها أحد أبرز رموز هذه العلاقة.
تعود إحدى أهم محطات العلاقة بين مصر وغزة إلى حرب عام
1948، التي أعقبت قيام دولة إسرائيل. فقد أصبحت غزة تحت الإدارة المصرية بعد الحرب،
واستمرت هذه الإدارة حتى حرب يونيو/حزيران 1967. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الإدارة
المصرية لقطاع غزة خلال هذه الفترة كانت إدارة عسكرية ولم تكن ضماً رسمياً للقطاع إلى
الأراضي المصرية. (مجلس العلاقات الخارجية)
وشهدت غزة خلال تلك السنوات وصول أعداد كبيرة من اللاجئين
الفلسطينيين الذين نزحوا من مناطق مختلفة خلال حرب 1948، وهو ما ترك أثراً عميقاً في
التركيبة السكانية والواقع الاقتصادي والاجتماعي للقطاع.
وكانت مصر في تلك المرحلة جزءاً أساسياً من المشهد العربي
المتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث شاركت في حرب 1948، ثم واصلت دعم القضية الفلسطينية
سياسياً وعربياً. وتؤكد وزارة الخارجية المصرية أن ارتباط مصر بالقضية الفلسطينية ارتبط
تاريخياً بعوامل الجغرافيا والأمن القومي والروابط التاريخية مع الشعب الفلسطيني.
(وزارة الخارجية)
شكلت حرب يونيو/حزيران 1967 نقطة تحول كبرى. فقد سيطرت إسرائيل
على قطاع غزة إلى جانب شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية والقدس الشرقية. ومنذ ذلك التاريخ
انتقلت غزة من الإدارة المصرية إلى الاحتلال الإسرائيلي، فيما أصبحت الحدود المصرية
– الفلسطينية جزءاً من المشهد العسكري والسياسي للصراع العربي الإسرائيلي. (مكتب المؤرخ)
أما سيناء، فقد عادت إلى السيادة المصرية على مراحل في أعقاب
اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، واكتمل الانسحاب الإسرائيلي
من سيناء عام 1982. وأصبح قطاع غزة منذ ذلك الوقت منفصلاً جغرافياً عن الأراضي المصرية،
لكنه ظل شديد الارتباط بها بحكم الجوار والحدود المشتركة.
معبر رفح.. الحدود التي تحولت إلى قضية سياسية وإنسانية
معبر رفح هو أبرز نقطة اتصال مباشرة بين غزة ومصر، ولذلك
اكتسب أهمية تتجاوز وظيفته الحدودية. فمن خلاله ارتبطت حركة الفلسطينيين من وإلى القطاع
بالعلاقات المصرية الإسرائيلية، وبالأوضاع الأمنية والسياسية في غزة.
ومع اندلاع أزمات وحروب متتالية في القطاع، تحول المعبر إلى
شريان إنساني مهم، خصوصاً بالنسبة إلى المرضى والجرحى والمسافرين، كما أصبح أحد المسارات
الرئيسية المرتبطة بإدخال المساعدات الإنسانية.
وفي السنوات الأخيرة ازدادت أهمية رفح بصورة كبيرة، ولا سيما
بعد الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد أكدت الرئاسة المصرية في فبراير/شباط
2024 أن مصر فتحت جانبها من المعبر واستقبلت مساعدات وإغاثات موجهة إلى سكان القطاع،
مع تأكيدها رفض التهجير القسري للفلسطينيين. (رئاسة الجمهورية المصرية)
وفي تطور لاحق، أعيد فتح معبر رفح في فبراير/شباط 2026 بصورة
محدودة أمام حركة الأشخاص، بعد إغلاق استمر منذ مايو/أيار 2024، مع السماح بأعداد محدودة
من المرضى والمصابين بالعبور وفق ترتيبات أمنية وموافقات من الأطراف المعنية.
مصر وحماس.. علاقة سياسية وأمنية معقدة
بعد تأسيس حركة حماس في أواخر الثمانينيات، ثم سيطرتها على
قطاع غزة في عام 2007، أصبحت العلاقة المصرية مع غزة أكثر تعقيداً. فمن ناحية، حافظت
مصر على تعاملها مع القطاع باعتباره جزءاً أساسياً من القضية الفلسطينية، ومن ناحية
أخرى تعاملت مع الوضع الأمني في سيناء والحدود باعتباره مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن
القومي المصري.
كما لعبت القاهرة دوراً متكرراً في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية،
وفي محاولات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، إضافة إلى جهود المصالحة الفلسطينية.
وهنا تظهر خصوصية الدور المصري: فمصر ليست مجرد دولة مجاورة
لغزة، بل هي دولة عربية تمتلك حدوداً مباشرة مع القطاع، وفي الوقت نفسه طرف رئيسي في
الترتيبات الإقليمية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
غزة في الحسابات المصرية
ترى القاهرة أن قضية غزة لا يمكن فصلها عن القضية الفلسطينية
الأشمل. ولذلك ارتبط الموقف المصري تاريخياً بالدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية، ورفض
تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، والسعي إلى تسوية سياسية للصراع.
وفي المقابل، تضع مصر أمن حدودها في مقدمة أولوياتها، خصوصاً
في ظل قرب قطاع غزة من شمال سيناء. وهذا يفسر حساسية الملفات المتعلقة بالمعابر والأنفاق
وحركة الأشخاص والبضائع.
وبالتالي فإن السياسة المصرية تجاه غزة تتحرك بين ثلاثة اعتبارات
رئيسية: دعم القضية الفلسطينية، حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على دور مصر الإقليمي
كوسيط رئيسي في الصراع.
علاقة جغرافية تحولت إلى مسؤولية تاريخية
على امتداد ما يقرب من ثمانية عقود، تغيرت طبيعة العلاقة
بين مصر وغزة مرات عديدة. فقد كانت غزة تحت الإدارة المصرية بين 1948 و1967، ثم أصبحت
تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبعد اتفاقات أوسلو ظهرت السلطة الفلسطينية كطرف إداري فلسطيني،
ثم سيطرت حماس على القطاع عام 2007. (مجلس العلاقات الخارجية)
لكن ما لم يتغير هو الموقع الجغرافي: غزة بقيت ملاصقة لمصر،
ورفح بقيت بوابة أساسية بين الجانبين.
ولهذا فإن العلاقة بين مصر وغزة ليست مجرد فصل في تاريخ الحدود
المصرية، وإنما جزء من تاريخ القضية الفلسطينية نفسها. فكلما اندلعت حرب في غزة، عادت
القاهرة إلى واجهة الأحداث، سواء عبر المفاوضات السياسية أو المساعدات الإنسانية أو
إدارة معبر رفح أو محاولات منع اتساع الصراع.

0 comments:
إرسال تعليق