يا جماعة.. مالكم مستغربين كده؟!
"معقولة؟! بنت عندها 15 سنة تختفي عشرة أيام، ثم يعثر
عليها في شقة مع شخص تعرفت إليه عبر الإنترنت وصديق له؟!".
أيوه.. معقولة!
والأخطر من الواقعة نفسها أن نتصرف وكأنها حدث نزل علينا
من السماء بلا مقدمات.
لا يا سادة..
هذه ليست قصة فتاة اختفت عشرة أيام فقط.. هذه قصة عشرة أيام
كشفت لنا كيف يمكن أن يختفي الأبناء أمام أعين آبائهم، بينما تكون أصابعهم ممسكة بالهاتف.
فلا تسألوا فقط؛
"البنت راحت فين؟"
اسألوا قبل ذلك؛
"إحنا سيبناها تروح ليه؟"
ولا أقصد أنها مسؤولة وحدها عما حدث، فهي قاصر، ولا يجوز
أن تتحول قضيتها إلى محكمة أخلاقية على صفحات التواصل.
أنا أتحدث عن البيئة التي أحاطت بها.
عن البيت.
عن المدرسة.
عن الهاتف.
عن المحتوى.
عن الغرباء الذين أصبحوا يستطيعون الدخول إلى عقول أبنائنا
دون أن يطرقوا أبوابنا.
عشرة أيام.. لكنها ليست عشرة أيام في التقويم
عشرة أيام تستطيع أن تمر في حياة الإنسان عاديا.
لكن عندما تكون فتاة في الخامسة عشرة قد غابت خلالها عن بيتها،
فالأمر لا يصبح مجرد رقم.
كل يوم من الأيام العشرة سؤال.
كل ساعة علامة استفهام.
كل دقيقة غياب تقول للأسرة؛
كان هناك شيء لم نره.
ربما لم نسمعه.
ربما لم نفهمه.
وربما، وهذا هو الأخطر، لم نسأل أصلا.
#الهاتف_المربي_البديل
هناك أب يعرف جدول ابنته الدراسي، ومواعيد دروسها، وأسماء
صديقاتها.
لكنه لا يعرف من يتابعها على تيك توك.
لا يعرف من يرسل إليها الرسائل.
لا يعرف من تتحدث معه ليلا.
لا يعرف ما المحتوى الذي يمر أمام عينيها كل يوم.
ثم يقول لك بمنتهى الثقة؛
(أنا مربي بنتي كويس).
طيب..
مين كان بيربيها وأنت مش موجود؟
الخوارزمية؟
المؤثر؟
الغريب الذي يظهر لها كل يوم على الشاشة؟
الشخص الذي بدأ معها بكلمة (هاي)، ثم تحول إلى (أنا فاهمك)،
ثم إلى (أنا الوحيد اللي مقدر اللي إنت حاساه)؟
هنا تبدأ الكارثة.
لا تتركوا المراهق يبحث عن الحنان في المكان الخطأ
المراهق لا يحتاج إلى الطعام والملبس والتعليم فقط.
يحتاج إلى أن يسمعه أحد.
أن يشعر أنه مهم.
أن يجد إجابة عن أسئلته.
أن يعرف أن البيت ليس مجرد مكان للنوم والأكل والعقاب.
لأن الفراغ العاطفي لا يبقى فراغا طويلا.
إذا لم يملأه الأب والأم بالحوار، سيأتي شخص آخر ويملؤه بما
يريد.
وهنا قد يتحول "الصديق الإلكتروني" إلى أقرب شخص
للمراهق، رغم أنه أبعد شخص عنه في الحقيقة.
لا تجعلوا من الضحية متهما
وهنا أقولها بوضوح؛
الفتاة قاصر.
ومن الخطأ أن نتعامل معها باعتبارها امرأة بالغة ثم نصب عليها
أحكامنا الأخلاقية بلا رحمة.
المراهق قد يخطئ في تقدير المخاطر.
وقد يثق في الشخص الخطأ.
وقد يظن أنه يعيش قصة حب أو صداقة أو استقلال، بينما يكون
الطرف الآخر أكثر خبرة وقدرة على التأثير عليه.
لذلك لا نحتاج إلى شتائم.
نحتاج إلى حماية وفهم ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
فالفضيحة ليست في أن فتاة صغيرة وقعت في موقف خطير.
الفضيحة الحقيقية أن نترك أطفالنا يصلون إلى هذه النقطة ثم
نسأل؛
(إزاي حصل ده؟!)
التربية ليست (سيبها تتعلم من غلطها)
هذه العبارة أصبحت تقال أحيانا وكأنها قانون تربوي مقدس؛
(سيب ابنك يغلط.. لازم يتعلم).
نعم، الخطأ جزء من التعلم.
لكن هناك أخطاء يمكن إصلاحها.
وهناك أخطاء قد يدفع الإنسان ثمنها عمرا كاملا.
وهناك مخاطر لا يجوز أن ننتظر وقوعها حتى نقول؛
(أهو اتعلم).
الرقابة الأسرية ليست تجسسا.
والحدود ليست قمعا.
والنصيحة ليست تخلفا.
والحماية ليست سجنا.
المشكلة في التطرف في أي اتجاه؛
لا أب يحول البيت إلى معتقل..
ولا أب يرفع يده عن أبنائه ويقول؛
(دي حياتهم.. يعملوا اللي هم عايزينه).
الإنترنت لا يعرف سن ابنك إلا إذا عرفته أنت
المشكلة أن العالم الرقمي لا يجلس مع الأب والأم لمناقشة
ما يصلح للطفل وما لا يصلح.
المحتوى يأتي.
والرسائل تأتي.
وطلبات الصداقة تأتي.
والغرباء يأتون.
والمراهق يقف في المنتصف.
فهل نتركه وحده؟
ثم نغضب عندما يتلقى توجيهه من شخص آخر؟
الإنترنت ليس مدرسة تربية.
ولا المؤثرون آباء بدلاء.
ولا كل من يكتب نصيحة على الشاشة جديرا بأن يكون قدوة.
ومن هنا.. السؤال الأصعب
ماذا لو كانت هذه الواقعة قد حدثت في بيتك؟
هل كنت ستقول؛
(بنتي مستحيل تعمل كده)؟
كل أب يعتقد أن ابنته لا يمكن أن تفعل شيئا كهذا.
حتى تحدث الصدمة.
وكل أم تظن أنها تعرف ابنتها جيدا.
حتى تكتشف أن هناك عالما كاملا داخل الهاتف لم تدخله يوما.
لذلك لا تنتظروا الكارثة.
اسألوا أبناءكم اليوم.
من تكلمون؟
ماذا تشاهدون؟
من يراسلكم؟
ماذا يطلب منكم الآخرون؟
لكن اسألوا بحب، لا بطريقة تجعل الطفل يخاف من الإجابة.
لأن الطفل الذي يخاف من أبيه قد يكذب عليه.
أما الطفل الذي يثق في أبيه، فقد يخبره بالحقيقة قبل أن تتحول
الحقيقة إلى كارثة.
#في_النهاية_بقى_أن_اقول؛
لا تجعلوا قضية فتاة الشرقية مجرد ترند ينتهي بعد أيام.
لا تتعاملوا معها كقصة مثيرة للفضول.
ولا تجعلوا من فتاة قاصر مادة للسخرية والتشهير وتداول التفاصيل.
خذوا منها الدرس.
عشرة أيام من الغياب قد تكون جرس إنذار لسنوات من الغياب
التربوي.
والمسألة ليست؛ من المخطئ فقط؟
بل؛
أين كنا جميعا عندما كان أبناؤنا يتعلمون الحياة من شاشة
الهاتف؟
أين الأب؟
أين الأم؟
أين المدرسة؟
أين التوعية؟
أين الإعلام؟
وأين المجتمع؟
نحن أمام جيل جديد لا يمكن تربيته بالصراخ وحده، ولا بالمنع
وحده، ولا بالإهمال تحت اسم الحرية.
جيل يحتاج إلى عين تراقب..
وعقل يفهم..
وقلب يسمع..
وبيت يستطيع الابن أن يعود إليه مهما أخطأ.
فإذا تركنا أبناءنا للشارع الرقمي، فلا نتعجب عندما يأخذهم
الشارع الحقيقي إلى أماكن لا نعرفها.
ازرعوا الحوار.. تحصدوا الثقة.
ازرعوا الوعي.. تحصدوا الأمان.
أما أن نترك المحتوى يربي، والغرباء يوجهون، والخوارزميات
تختار، ثم نصرخ بعد الكارثة؛
"معقولة؟!"
فالإجابة ببساطة؛
نعم.. معقولة.
لأن ما نحصده اليوم..
غالبا هو ما تركناه بالأمس ينمو أمام أعيننا.

0 comments:
إرسال تعليق