• اخر الاخبار

    الخميس، 3 سبتمبر 2026

    أحزان للبيع.. حافظ الشاعر يكتب عن:قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون ولا رقم في حسابات العجز..!!

     


     

    هناك أشياء في حياة الأمم لا تقاس بالدولار، ولا توزن بالذهب، ولا يجوز أن تدخل أصلا في دفتر الحسابات حين تضيق الخزائن وتتعاظم الديون.

    هناك أشياء اسمها السيادة..وهناك أشياء اسمها الذاكرة..وهناك أشياء دفعت الأمة ثمنها من دماء أبنائها، حتى أصبحت ملكا للأجيال، لا سلعة في سوق الأصول.

    وفي مصر، تقف قناة السويس في مقدمة هذه الأشياء.ولذلك فإن مجرد أن يطل علينا بين الحين والآخر حديث عن الرهن أو البيع أو المقايضة أو تحويل الأصول السيادية إلى أدوات لسداد الديون، كفيل بأن يوقظ في الذاكرة المصرية كل ما ظننا أن الزمن دفنه.

    فالقناة.. ليست مجرد مجرى مائي تعبره السفن..القناة حكاية وطن.

    القناة.. دماء فلاحين مصريين اقتيدوا إلى الحفر بالسخرة..القناة.. معركة مع الاستعمار..القناة ..لحظة خرجت فيها مصر من مقعد التابع إلى مقعد صاحب القرار.

    والأخطر من كل ذلك أن تتحول، ولو في الخيال أو في الطروحات الفردية، من رمز للسيادة إلى مجرد رقم يمكن وضعه أمام رقم آخر في ميزان الديون.

    وهنا يجب أن نتوقف.

    120 ألف مصري.. الرقم الذي لا يجوز أن يموت

    حين وقف جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو 1956، لم يكن يعلن قرارا اقتصاديا عابرا.كان يعلن أن مصر قد قررت أن تستعيد حقها.

    كان يتحدث عن قناة حفرت بأيدي المصريين، وعن أرواح دفع أصحابها حياتهم ثمنا لمشروع كانت عوائده تذهب إلى غير المصريين.

    وفي خطابه التاريخي قال:

    "سنقضي على الماضي بأن نستعيد حقوقنا في قناة السويس".

    ثم جاءت الكلمات التي ظلت عالقة في الذاكرة:

    "حفرت قناة السويس بواسطة أبناء مصر، 120 ألف مصري ماتوا أثناء حفرها".

    وهذه الرواية المتعلقة بعدد الضحايا وردت في خطاب عبد الناصر نفسه، وإن كانت تقديرات أعداد الوفيات في أعمال الحفر تاريخيا محل نقاش بين المؤرخين والمصادر.

    لكن بعيدا عن الرقم، تبقى الحقيقة الأهم؛أن القناة دفعت كلفتها من عرق المصريين ودمائهم.

    ولهذا لا يستطيع أحد أن يتعامل معها وكأنها مبنى إداري أو قطعة أرض أو شركة عادية يمكن بيعها حين تضيق بنا السبل.

    ونعود بالذاكرة للوراء ليعلم جيل زد معركة تأميم القناة

    'ديليسبس".. كلمة السر التي غيرت التاريخ

    في ذلك اليوم من يوليو 1956، نطق عبد الناصر باسم "ديليسبس".

    لم تكن الكلمة مجرد اسم رجل.

    كانت إشارة إلى لحظة انتهى فيها زمن، وبدأ زمن آخر.

    فبعد إعلان التأميم، أصبحت شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية، وعادت إدارة القناة إلى الدولة المصرية.

    وتشير الهيئة العامة لقناة السويس إلى أن قرار التأميم كان من أبرز المحطات التي أعادت الحقوق لأصحابها، وأن القناة دخلت بعدها مراحل تاريخية كبرى، وصولا إلى تطويرها وإعادة فتحها للملاحة بعد إغلاقها إثر حرب 1967.

    أما السبب المباشر للتأميم، فكان قرار الولايات المتحدة وبريطانيا سحب تمويل مشروع السد العالي، في سياق تصاعد الخلاف مع مصر.

    فجاء الرد المصري من قلب الإسكندرية؛إذا منعتم التمويل.. فنحن نمتلك ما نمول به مستقبلنا.

    كان هذا هو منطق عبد الناصر.

    لم يقل؛

    "نبيع القناة لنحل الأزمة".

    بل قال، في جوهر خطابه؛

    نستعيد حقوقنا لنصنع مستقبلنا.

    وهنا تكمن المفارقة التاريخية المؤلمة.

    العدوان الثلاثي.. عندما دافعت مصر عن القناة

    لم تمر عملية التأميم بسهولة.

    ففي خريف عام 1956 تعرضت مصر للعدوان الثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

    كان المطلوب إسقاط قرار التأميم واستعادة السيطرة الأجنبية على القناة.

    لكن ما حدث كان أكبر من مجرد معركة عسكرية.

    كان سقوطا مدويا لفكرة أن الإمبراطوريات تستطيع أن تفعل ما تشاء.

    وبحسب الهيئة العامة لقناة السويس، انتهى العدوان بانسحاب القوات المعتدية، وأصبحت معركة السويس محطة فارقة في إنهاء عصر الاستعمار التقليدي وإطلاق موجة التحرر في العالم الثالث.

    كانت بريطانيا التي لا تغرب عنها الشمس تنسحب.وكانت فرنسا الاستعمارية تتراجع.

    وكانت مصر تقول للعالم؛هذه القناة لنا.

    لم تكن المسألة في ذلك اليوم مجرد إيرادات.كانت المسألة كرامة وطن.

    وهنا أتطرق إلى السؤال الأهم :ماذا تعني السيادة؟

    السيادة ليست أن تضع علم الدولة فوق مبنى.

    السيادة أن تكون قادرا على اتخاذ القرار في أرضك ومياهك وثرواتك دون أن تتحول حاجتك المالية إلى إذن بالتصرف في مقدراتك.

    السيادة أن تدير أصولك لصالح أجيالك، لا أن تستنزفها لحل أزمة مؤقتة.

    والديون، مهما كانت ضخمة، لها حلول اقتصادية.

    أما بيع السيادة، فلا توجد له 'إعادة هيكلة".

    وإذا كانت قناة السويس تمر بظروف استثنائية بسبب اضطرابات الملاحة وتحويل بعض شركات الشحن لمساراتها، فهذا تحد اقتصادي يجب أن تعالجه الدولة بالاستثمار والتطوير وتنويع مصادر الدخل، لا بتحويل الأزمة المؤقتة إلى سؤال وجودي حول أصل استراتيجي. وقد أوضحت الحكومة نفسها أن تراجع إيرادات القناة ارتبط بالاضطرابات الإقليمية وتحويل شركات الشحن مسارات سفنها.

    والأرقام نفسها تقول إن القناة ليست مشروعا هامشيا؛ فقد أعلنت هيئة قناة السويس أن أكثر من مليون سفينة عبرت القناة منذ التأميم حتى يوليو 2023، بما يعكس وزنها الاستراتيجي في حركة التجارة العالمية.

    وحين يستدعي التاريخ هيكل

    لو كان الأستاذ محمد حسنين هيكل حيا اليوم، فربما كان المشهد سيضعه أمام سؤال بالغ القسوة؛ماذا كان سيقول لابنه حسن؟

    فالأب الذي كتب عن السويس، وعاش تفاصيل صراعها، وعرف قيمتها السياسية والتاريخية، كان يرى في القناة أكثر من مجرد مصدر دخل.

    وقد تناول هيكل تاريخ السويس ورمزيتها في كتابيه "قصة السويس" و"ملفات السويس'، واعتبر أن قناة السويس أضافت إلى قوة مصر وأهميتها الاستراتيجية، وأن حرب السويس كانت واحدة من أروع الانتصارات المصرية وأكثرها تأثيرا في التاريخ العالمي.

    ولذلك فإن استدعاء اسم هيكل هنا ليس استدعاء لشخص مات.

    إنه استدعاء لصوت الضمير.

    فالأمم تحتاج، في لحظات الاختبار، إلى من يقول لها؛

    هناك فرق بين أن تبيع شيئا تملكه، وأن تفرط في شيء دفع أجدادك ثمنه بالدم.

    لا أحد ينكر الأزمة.. لكن هل الحل أن نبيع التاريخ؟

    نعم، قناة السويس تمر بتحديات.

    ونعم، إيراداتها تأثرت بشدة خلال السنوات الأخيرة بسبب الظروف الإقليمية واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.

    والحكومة تحدثت في يوليو 2024 عن فقدان مئات الملايين من الدولارات شهريا مقارنة بالمستهدف، وأوضحت لاحقا أن التصريحات المتداولة في 2026 عن "خسائر 500 مليون دولار شهريا" كانت تعود إلى ذلك السياق القديم، وأن ربطها بمقترح بيع أو مقايضة القناة كان مضللا ومجتزأ من سياقه.

    لكن السؤال الذي يفرض نفسه؛

    هل علاج الأزمة يكون بالتخلي عن الأصول الاستراتيجية؟

    وهل عجز الموازنة يمكن أن يتحول إلى مبرر دائم للبحث عن جيوب جديدة في جيب المواطن؟

    مرة يدفع المواطن فاتورة الأسعار.

    ومرة يدفع فاتورة الضرائب والرسوم.

    ومرة يدفع فاتورة التضخم.

    ثم يقال له؛

    لدينا أصول.. فلنضعها على الطاولة!

    هنا تتحول الأزمة الاقتصادية من مشكلة أرقام إلى أزمة ثقة.

    مصر ليست شركة مساهمة للبيع عند أول أزمة

    المشكلة الحقيقية ليست في أن الحكومة تعترف بالخسائر.

    بل في أن تشعر الدولة بأن الحل الأسهل هو البحث عن أصل جديد تضعه تحت ضغط الحاجة.

    فالدول لا تدار بعقلية"كم تبقى لدينا لنبيع؟"

    بل بعقلية"كيف نحافظ على ما لدينا ونزيد قيمته؟"

    قناة السويس يمكن تطويرها.

    يمكن زيادة الخدمات اللوجستية حولها.

    يمكن تعظيم القيمة المضافة للموانئ والمناطق الاقتصادية.

    يمكن توسيع الصناعات والخدمات المرتبطة بها.

    يمكن بناء اقتصاد يستفيد من موقع مصر بدل أن يبيع هذا الموقع.

    وهذا هو التحدي الحقيقي.

    من "ديليسبس" إلى اليوم.. هل نسي المصريون لماذا أمم عبد الناصر القناة؟

    في 26 يوليو 1956 قال عبد الناصر، في جوهر رسالته، إن مصر لن تكرر الماضي، وإنها ستقضي عليه باستعادة حقوقها.

    وكانت "ديليسبس" كلمة السر.

    اليوم، بعد سبعين عامًا تقريبا، لا نحتاج إلى "ديليسبس" جديدة.

    نحتاج إلى أن نتذكر لماذا قيلت الكلمة أصلا.

    نحتاج إلى أن نتذكر أن القناة لم تصبح مصرية لأن أحدا منحها لنا.

    بل لأن دولة قررت أن تستعيد حقها، وشعبا وقف خلف القرار، ودماء سالت على أرضها، وعدوانا فشل في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

    وهنا يصبح السؤال أكبر من الحكومة وأكبر من المعارضة..

    ماذا سنقول للأجيال القادمة إذا وجدوا أن "درة التاج" تحولت يوما إلى بند في جدول الديون؟

    هل نقول لهم إننا بعناها لأن الظروف كانت صعبة؟

    أم نقول لهم إننا صمدنا حتى تجاوزنا الأزمة؟

    الأزمة ليست في القناة.. الأزمة في طريقة التفكير

    مصر لديها مشكلات اقتصادية حقيقية.

    لكن الاقتصاد لا يبنى فقط ببيع الأصول.

    والدولة لا تستعيد عافيتها بتقليص ما تملكه عاما بعد عام.

    والشعب الذي تحمل سنوات من الضغوط يحتاج إلى رؤية للمستقبل، لا إلى قائمة جديدة بما يمكن التصرف فيه.

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نخسر مئات الملايين من إيرادات القناة في ظرف استثنائي.

    الأخطر أن نخسر المعنى.

    معنى أن هناك أشياء لا يجوز أن تكون للبيع.

    معنى أن هناك خطوطا حمراء لا ترسمها الحكومات وحدها، بل يرسمها التاريخ.

    معنى أن قناة السويس ليست مجرد "أصل".

    إنها جزء من تعريف مصر لنفسها.

    ولهذا، فإن علاج خسائر القناة يجب أن يكون بإعادتها إلى كامل طاقتها، وتطويرها، وتعظيم عوائدها، وحماية موقعها الاستراتيجي، لا بتقديمها في سوق المساومات السياسية والاقتصادية.

    فالقناة التي كانت سببًا في سقوط إمبراطوريات لا ينبغي أن تكون هي الضحية السهلة لأزمة موازنة.

    وإذا كانت الحكومة قد أكدت رسميًا أنه لا بيع للقناة ولا مقايضة لها بالديون، فإن عليها أن تجعل هذا الموقف أكثر وضوحًا، وأن تغلق الباب أمام أي طروحات فردية تثير الرعب في نفوس المصريين.

    أما المواطن المصري، الذي دفع وما زال يدفع، فمن حقه أن يسأل:

    إلى متى ستظل فاتورة أخطاء السياسات الاقتصادية تصل في النهاية إلى جيبه؟

    فإذا كانت كل الطرق تنتهي إلى جيوب الغلابة، وإذا كانت كل أزمة تفتح بابا جديدا لبيع أصل من أصول الدولة، فالمشكلة لم تعد في نقص المال وحده.

    المشكلة أن الحكومة تحتاج إلى أفكار جديدة، لا إلى أصول جديدة للبيع.

    وقناة السويس تحديدا ليست مجرد أصل تملكه الدولة.

    إنها درة التاج.والتاج الذي استعيد بالدم لا يجوز أن يرهن بالدين.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أحزان للبيع.. حافظ الشاعر يكتب عن:قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون ولا رقم في حسابات العجز..!! Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top