ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تستحق التوقف أمامها طويلاً، تتمثل في انتشار إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لبيع شهادات جامعية وأكاديمية، ومنح درجات الماجستير والدكتوراه، بل ووصل الأمر إلى كيانات تعلن قدرتها على منح مهن وألقاب كاسفير سلام او مستشار تحكيم لمن يرغب في تغيير صفته أو مهنته!
في
البداية قد يبدو الأمر مجرد محاولات نصب واحتيال، أو تجارة وهمية تستهدف الباحثين
عن وجاهة اجتماعية أو شهادة سريعة، لكن الأخطر أن هذه الكيانات لم تعد تعمل في
الخفاء، وإنما أصبحت تعلن عن نشاطها على صفحات التواصل الاجتماعي، وتضع أرقام
هواتف ووسائل اتصال واضحة، وكأنها تمارس نشاطاً مشروعاً لا تخشى معه مساءلة أو
ملاحقة.
والسؤال
هنا: كيف وصل الأمر إلى هذه الجرأة؟ ومن يراجع هذه الإعلانات؟ ومن يحمي المواطن من
الوقوع ضحية لشهادة أو لقب لا قيمة قانونية أو أكاديمية له؟
الأمر
لم يتوقف عند الشهادات الجامعية، وإنما امتد إلى كيانات تحمل أسماء ذات طابع ديني
أو اجتماعي أو عائلي، وتستخدم مسميات مثل: «أمانة السادة الأشراف»، و«أمانة السادة
آل البيت»، و«أمانة أشراف العرب»، و«أمانة أشراف الشام ومصر» المجلس الاعلي
للاشراف .المجلس الاعلي للساده ال البيت
وغيرها من المسميات، ثم تقوم بمنح أعضائها ألقاباً وشهادات ودرجات ومسميات
مختلفة، الأمر الذي أدى إلى حالة من الخلط الشديد بين الكيانات الرسمية والكيانات
التي لا يعرف أحد طبيعة سندها القانوني.
وهنا
يجب أن نفرق بوضوح بين الانتساب الحقيقي إلى نسب شريف أو عائلة كريمة، وبين
استخدام الأنساب والألقاب في صناعة كيانات تمنح شهادات أو صفات لا تستند إلى
اعتراف قانوني أو مؤسسي واضح.
فليس كل
من وضع كلمة «أمانة» أو «الأشراف» أو «آل البيت» على اسم كيان أصبح ممثلاً رسمياً
للسادة الأشراف، كما أن ارتداء لقب أكاديمي أو اجتماعي أو منح شهادة مطبوعة
ومختومة لا يجعل صاحبها حاصلاً على مؤهل معترف به.
الأخطر
أن المواطن العادي قد لا يستطيع التفرقة بين الكيان الرسمي والكيان الوهمي، خصوصاً
عندما تستخدم بعض الجهات شعارات وأختاماً ومراسلات ومواقع إلكترونية وصفحات منظمة،
وتقدم نفسها بصورة توحي بأنها مؤسسة معترف بها.
نحن
أمام سوق جديدة للألقاب والشهادات.
شهادة
مقابل المال، لقب مقابل المال، منصب شرفي مقابل المال، عضوية مقابل المال،
وأحياناً وعود بالحصول على درجة علمية دون دراسة حقيقية أو بحث علمي أو مناقشة
أكاديمية.
وهنا لا
بد من تحرك واضح من الجهات المختصة، ليس فقط لملاحقة من يثبت ارتكابه جريمة، وإنما
أيضاً لوضع حد للفوضى الإعلامية التي تسمح لأي كيان بأن يقدم نفسه للجمهور
باعتباره جامعة أو أكاديمية أو هيئة علمية أو مؤسسة تمثل فئة اجتماعية أو نسباً
عريقاً دون بيان واضح لسنده القانوني.
المطلوب
ببساطة أن يعرف المواطن: من يملك حق منح هذه الشهادة؟ ومن اعتمد هذا الكيان؟ وهل
الشهادة معترف بها؟ وهل اللقب الذي يمنحه له أي قيمة قانونية؟
فالفوضى
لا تضر فقط بمن يدفع أمواله للحصول على شهادة أو لقب، وإنما تسيء أيضاً إلى قيمة
الشهادة الجامعية الحقيقية، وإلى مكانة الأنساب والبيوتات التي تحمل تاريخاً
حقيقياً، وإلى المؤسسات الرسمية التي قضت سنوات في بناء ثقة المجتمع بها.
إن
مواجهة هذه الظاهرة ليست حرباً على الألقاب ولا على الكيانات الأهلية أو
الاجتماعية، وإنما هي حرب على التزييف واستغلال ثقة الناس.
ويبقى
السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الجهات المعنية بوضوح:
كم من
هذه الكيانات قانوني؟ وكم منها وهمي؟ ومن يمنح هذه الجهات حق إصدار الشهادات
والألقاب؟ ولماذا أصبح بعضها يعلن عن نشاطه بهذه الجرأة وعلى مرأى ومسمع من
الجميع؟
الإجابة
عن هذه الأسئلة أصبحت ضرورة، قبل أن يتحول الأمر من مجرد إعلانات مضللة على مواقع
التواصل إلى سوق كاملة لبيع الشهادات والألقاب والصفات، يصبح فيها من يملك المال
قادراً على شراء ما لا يستطيع العلم أو التاريخ أو القانون منحه.

0 comments:
إرسال تعليق