هل التاريخ يعيد نفسه ؟ ، سؤال فكرى فلسفى قديم ، كان جواب "كارل ماركس" عليه ذات مرة ، أن التاريخ لا يكرر نفسه ، وإن تصور البعض أن الإعادة ممكنة ، فهى تجرى على النحو التالى ، تحدث الواقعة أولا كمأساة أو تراجيديا ، ثم تكون الاستعادة ملهاة أو كوميديا ، وقد جرى شئ من ذلك مع "العملية نيبتون"العسكرية ، أو عملية إنزال الحلفاء لقواتهم على شواطئ "نورماندى" الفرنسية قرب نهايات الحرب العالمية الثانية ، وكانت نقطة تحول هائلة فى حرب الحلفاء ضد ألمانيا النازية ، قادت إلى الهزيمة النهائية لقوات "أدولف هتلر" ، ودخول الحلفاء الغربيين لاحتلال "برلين" ، بعد أن كانت سبقتهم إليها القوات السوفيتية الزاحفة من الشرق .
هذه فكرة عامة عما جرى فى عملية "انزال نورماندى"
، التى يريد الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" تكرارها فى عملية معاقبة إيران
وسحقها اقتصاديا ، ويسميها عملية "إنزال اقتصادى" ، تشبيها لها بعملية "إنزال
نورماندى" الشهيرة ، وتبدو تكرارا كوميديا للواقعة الأصلية التراجيدية ، وقد لا
يمكن اعتبار "ترامب" صاحب براءة اختراع تكرار عملية "نورماندى"
، فقد سبقه إليها ـ عام 1957 ـ الفنان الكوميدى المصرى "عبد الفتاح القصرى"
، وأسمى مركب صيده فى فيلم "إبن حميدو" باسم "نورماندى 2" ، وعرض
على إبن حميدو "إسماعيل ياسين" شراء المركب الهزيل ، وأقام حفل غناء ورقص
ومبالغات فجة فى مناسبة بيع "نورماندى2" ، وكانت المفاجأة الأكثر كوميدية
، أن "نورماندى" عبد الفتاح القصرى غرقت فى ثوان ولم تستطع الطفو ثانية
، تماما كما تبدو سيرة "نورماندى ترامب" ، الذى يملأ الدنيا ضجيجا عن عبقرية
إنزاله الاقتصادى الماحق لإيران ، بينما لا يبدو حظه أفضل كثيرا من حظ "عبد الفتاح
القصرى" ، الذى تجمعه مع "ترامب" خصال أخرى ، بينها تراجعه فى كل مرة
يقسم فيها "كلمتى ما تنزلش الأرض" ، ثم يعود إلى سحب تهديده على طريقة "تنزل
المرة دى" .
ولأن الشئ بالشئ يذكر ، ففى مصر أيضا مثل شعبى
دارج يقول "اللى يجرب المجرب عقله مخرب" ، ومعنى المثل الشعبى قريب من عبارة
شهيرة لأذكى علماء الفيزياء والرياضيات "ألبرت أينشتاين" ، كان "أينشتاين"
يعرف الغباء كالتالى ، الغباء أن تكرر فعل الشئ نفسه وتتوقع نتائج مختلفة ، وأن تمضى
فى الطريق الخاطئ مجددا ، وتأمل فى سلامة الوصول وسرعته ، وهو ما لن يحدث بالبداهة
العقلية .
و"ترامب" فى حربه على إيران ، التى انتهت
إلى خسارته المتكررة ، رغم دخول الحرب شهرها السابع ، يعود كالتاجر المفلس إلى تقليب
دفاتره القديمة ، ويعيد تجريب ما جربه من قبل دون جدوى مؤكدة ، ويفرض ما أسماه أعنف
عقوبات اقتصادية ومالية فى التاريخ على إيران ، وربما ينسى أو يتناسى ما فعله هو بنفسه
قبل أكثر من ثمانى سنوات ، حين قرر فى رئاسته الأولى ـ مايو 2018 ـ انسحاب أمريكا من
ما أسمى إعلاميا "الاتفاق النووى الإيرانى" ، وقرر فرض عقوبات الحد الأقصى
على إيران ، كان وقتها داخلا فى مباراة مزايدة
على رؤساء أمريكيين سبقوه ، لم يتوقفوا أبدا عن فرض عقوبات ضد إيران منذ فوز ثورتها
"الخمينية" عام 1979 ، وكانت إيران قد احتجزت عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين
ورجال المخابرات فى مقر السفارة الأمريكية بطهران ، ورد الرئيسان الأسبقان "جيمى
كارتر" و"رونالد ريجان" بتجميد المليارات من أموال إيران المحتجزة
، ومن وقتها ، أبدت الإدارة الأمريكية رغبات محمومة فى فرض المزيد من العقوبات على
اقتصاد إيران ، وعلى شركاء إيران التجاريين فى الظل أو فى العلن ، وهو ما زادت وتيرته
منذ العام 2006 ، مع محاولات "البيت الأبيض" إضفاء صفة دولية ملزمة على عقوباتها
الأحادية ، واستصدرت واشنطن قرارات عقوبات من مجلس الأمن الدولى ، واتجهت العقوبات
السابقة والتالية إلى خنق إيران بتروليا وماليا .
وأثرت العقوبات بالفعل على الاقتصاد الإيرانى
، لكنها لم تحقق هدفها فى خنق إيران ، ولا فى وقف أو إعاقة تطوير أسلحتها الصاروخية
وبرامجها النووية ، بل جرى العكس بالضبط ، وطورت إيران حيل التفاف على العقوبات ، واتجهت
إلى ما أسماه المرشد الراحل "على خامنئى" باقتصاد المقاومة أو اقتصاد البقاء
، وزادت من معدلات الاكتفاء الذاتى فى الغذاء بالذات ، ومن معدلات التصنيع الذاتى للماكينات
والسيارات والآلات والأدوية ، وأقامت نظاما تعليميا غاية فى الكفاءة والإنتاجية ، وأفادتها
العزلة عن العالم فى تجنب الاستدانة ، وإلى حد أن إيران ـ حتى اليوم ـ ليست مدينة لأحد
ولا بدولار واحد ، وحاولت إيران تطوير فضاء اقتصادى يخدمها ، من الانضمام إلى "تحالف
شنجهاى" ، وحتى الانضمام إلى مجموعة "البريكس" ، وساعدها امتدادها الجغرافى
، واتصال حدودها مباشرة أو عبر الماء مع 15 دولة ، وأبدعت فى صيغ تبادل تجارى تتجنب
التعامل بالدولار ، وصار لها حلفاء أقوياء ، وجيران تتعامل بسلاسة معهم ، من الصين
إلى روسيا وباكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى والعراق وبعض الدول الأوروبية ، فلدى إيران
ما تصدره ويحتاجه الآخرون ، ليس فى مجال البترول والغاز الطبيعى والبتروكيماويات فحسب
، بل فى سلع زراعية وصناعية كثيرة ، فدرجة اعتماد الاقتصاد الإيرانى على تصدير البترول
ومشتقاته لا تزيد على الثلاثين بالمئة .
والمعنى ببساطة ، أن حلم ترامب فى خنق إيران ،
لا يبدو قابلا للتحقق ، ومهما كانت ضراوة الضغوط الأمريكية على شركاء إيران ، وهو ما
بدا ظاهرا فى ردود الفعل الأولى على خطة "ترامب" ووزير خزانته "سكوت
بيسنت" ، فقد اعتبرت الصين عقوبات واشنطن "إجراءات أحادية" لا تلزم
أحدا ، وفى رئاسة "ترامب" الثانية الجارية ، تحدت الصين "ترامب"
وحروب رسومه الجمركية ، واستخدمت ضد واشنطن أسلحة اقتصادية ثقيلة ، من نوع الحظر الجزئى
الفعال الذى فرضته على تصدير المعادن الثمينة النادرة إلى أمريكا ، وقامت "بكين"
بتنويع وتوسيع خرائط تعاملاتها التجارية ، ونزلت بنسبة احتياجها التجارى للسوق الأمريكية
إلى عشرة بالمئة من مجموع تجارتها العالمية ، وحققت فائضا تجاريا مرعبا بمئات مليارات
الدولارات فى تعاملاتها مع واشنطن ذاتها ، وكسبت الصين شركاء تجاريين كبارا من الغرب
الناقم على رعونة وعجرفة "ترامب" ، من "كندا" إلى "أسبانيا"
و"ألمانيا" وغيرها ، وأصبح حجم تجارتها السنوية العالمية يفوق الثلاثة تريليونات
دولار ، بينما الفائض التجارى السنوى لصالحها زاد إلى 1200 مليار دولار ، وفى المقابل
، تضخمت ديون أمريكا الداخلية والخارجية ، وقفزت أخيرا إلى ما يفوق الأربعين تريليون
دولار .
وتغيرات العالم التى تقودها الصين ، لم تعد تتيح
لواشنطن فرص التسلط اللانهائى على الآخرين ، ولا منعهم بالقسر والتخويف من التعامل
مع إيران ، فقد أفرط الغرب عموما ، وأفرطت واشنطن بالذات ، فى استخدام سلاح العقوبات
، والقاعدة الفيزيائية السارية ، تقول أن كل شئ يزيد عن حده ينقلب إلى ضده ، وقد أثقلوا
كاهل إيران بما يزيد على خمسة آلاف نوع من العقوبات ، لم تسقط إيران بسببها عبر خمسة
عقود مضت ، ولا يتصور عاقل أنها ستسقط من التكرار الذى يعلم "الشطار" ، ولا
يتعلم منه أمثال الرئيس الكوميدى "دونالد ترامب" ، الذى لن يكون مصير إنزاله
"النورماندى" أفضل كثيرا من نهاية مركب "نورماندى 2" لصاحبها الكوميدى
الشهير "عبد الفتاح القصرى " .
لا يعنى ما نقول طبعا أن الشعب الإيرانى لن يتأثر
سلبا بالمزيد من العقوبات ، التى لن تقعده عن مواصلة صموده المذهل رغم المحن ، وربما
يفضل المحن ، التى تعيد صهر الشعوب الحية وتخلقها خلقا جديدا ، فالشعور بالخطر يوقظ
الحواس ، وأن يعيش أحد فى خطر أفضل من أن يموت ، والشعوب لا تموت أبدا مهما بلغ ضيق
الحياة وشظف العيش ، ومالا يفهمه أمثال "ترامب" فى التاريخ الإنسانى ، أن
ثقافة شعوب الشرق مختلفة ، وبالذات فى دائرة شعوب الإسلام ، التى لا ترى الموت نهاية
للحياة ، بل ذهاب إلى حياة أخرى أخلد وأكرم ، تكون فيها مكانة الشهداء فى أعلى عليين
، وثقافة الإسلام الإيرانى تقدس الشهادة والثبات على الحق وتحدى الطغاة والمستكبرين
، وفى المنازلة الجارية منذ عقود ، أثبتت إيران مقدرتها المذهلة على الصمود والتعافى
فى أقسى الظروف ، بينما معسكر الاستكبار الأمريكى ، لا يملك بعضا من مقدرة إيران على
الصبر وتحمل المكاره ، أضف إلى ذلك ، أن العقل الإيرانى الحضارى معروف بطاقته الإبداعية
، والاعتزاز بتاريخه ضارب الجذور لآلاف السنين ، وفى ظروف الخطر الخارجى الماحق ، تتوحد
الشعوب الإيرانية فى قبضة يد ، سواء ممن يعارضون نظام الجمهورية الإسلامية أو ممن يؤيدونه
، والنظام القائم ليس معلقا فى هواء ككثير من جيرانه ، وقاعدة تأييده الشعبى واسعة
، والحلم بإسقاطه عبث من العبث ، سواء بحملات التدمير بالسلاح ، أو بضغوط الخنق الاقتصادى
.

0 comments:
إرسال تعليق