ليست القضية
في فتاة غابت ثم عادت، ولا في فتاة تركت بيت أسرتها إلى مكان آخر، ولا في شاب أو شقيق
انتهت به الأمور إلى جريمة.
القضية الأهم
والأخطر أن نسأل أنفسنا؛ ماذا يحدث داخل بيوتنا حتى تصبح طفلة في الخامسة عشرة أو السادسة
عشرة مستعدة لأن تترك البيت بما فيه من أمان، وتغامر بالمجهول؟
هذا السؤال
أهم بكثير من تفاصيل الحادث.
خلال أيام
قليلة، شهدنا واقعتين لفتاتين صغيرتين؛ الأولى من الشرقية، غادرت منزل أسرتها وهي في
الخامسة عشرة، وعثرت عليها الأجهزة الأمنية في مطروح برفقة أحد الأشخاص، وفق بيان وزارة
الداخلية. والثانية في الصف بالجيزة، حيث عثر على فتاة تبلغ 16 عاما بعد تغيبها وعودتها
إلى أسرتها، قبل أن تنتهي حياتها على يد شقيقها، بينما تواصل جهات التحقيق فحص ملابسات
الواقعة.
واقعتان
لا تكفيان وحدهما للقول إننا أمام ظاهرة، وهذه نقطة يجب أن نكون دقيقين فيها، لكنهما
تكفيان بالتأكيد لرفع جرس الإنذار.
فالمجتمع
لا ينتظر الظاهرة حتى تصبح ظاهرة!
نحن نعرف
كيف تبدأ الظواهر الاجتماعية..واقعة هنا، ثم أخرى هناك، ثم تتكرر الأسباب، وتتغير الأسماء
والأماكن، ونكتشف بعد سنوات أننا كنا أمام مشكلة كبيرة بينما كنا نتعامل معها باعتبارها
"حادثة فردية".
أين اختفت
الأسرة؟
ربما يكون
السؤال الأكثر إيلاما؛كيف تستطيع فتاة صغيرة أن تخفي عالمها عن أسرتها حتى تصل إلى
قرار ترك المنزل؟
لا يعني
ذلك أن الأسرة هي المسؤولة عن كل ما تفعله الفتاة، ولا أن كل فتاة تغادر بيتها تكون
ضحية، ولا أن كل أب أو أم مقصرون.
لكن الأسرة
التي لا تعرف ماذا تفعل ابنتها على هاتفها، ومن تصادق، وماذا تشاهد، ومن يؤثر فيها،
وما الذي يؤلمها، وماذا تخاف منه، وماذا تتمنى..أسرة تترك جزءا مهما من تربية أبنائها
للشارع والشاشة.
والأخطر
من غياب الرقابة هو غياب الحوار.
فالفتاة
التي تخاف من أبيها قد تكذب عليه، والفتاة التي تخشى العقاب قد تخفي مشكلتها، والفتاة
التي لا تجد من يسمعها قد تبحث عن شخص آخر يسمعها، حتى لو كان هذا الشخص يستغل ضعفها.
وهنا تبدأ
الكارثة.
الهاتف ليس
المشكلة.. لكن العالم الموجود خلف الشاشة يستحق الانتباه
لا يمكن
أن نضع الهاتف في قفص الاتهام ونغلق القضية.
الهاتف أداة،
ومواقع التواصل وسيلة، لكن الخطورة في العالم الذي يدخل إلى عقل الطفل من خلال هذه
الأدوات.
هناك علاقات
تبدأ برسالة، وصداقة تبدأ بإعجاب، وشخص غريب يتحول في أيام إلى "أقرب إنسان"،
ووعود براقة تجعل فتاة صغيرة تتخيل أن الخلاص من البيت هو بداية الحرية.
وهنا يجب
أن نتعلم شيئا مهما..
المجرم المحتمل
لا يحتاج إلى كسر باب البيت إذا استطاع أن يدخل إلى عقل الفتاة من شاشة الهاتف.
لذلك فإن
التربية الرقمية لم تعد رفاهية، بل أصبحت جزءا من التربية الأسرية نفسها.
#وماذا_عن_الدين؟
الدين لا
ينبغي أن يتحول إلى مجموعة أوامر تخيف الطفل ثم نتركه وحيدا أمام أسئلته.
الدين الحقيقي
في التربية يبدأ من بناء الضمير، وتعليم الإنسان معنى المسؤولية، والحياء، والرحمة،
وضبط الرغبات، واحترام الأسرة، وحفظ النفس.
والأهم أن
يفهم الأبناء أن الخطأ لا يعالج بخطأ أكبر منه.
لا يجوز
أن تتحول فكرة "العار" إلى مبرر للعنف، ولا أن يتحول كلام الناس إلى سلطة
فوق القانون والرحمة والإنسانية.
فالأسرة
التي تخاف من كلام الناس أكثر مما تخاف على حياة ابنتها، تحتاج إلى مراجعة مفهومها
للشرف نفسه.
الشرف ليس
سكينا.. والشرف ليس جريمة قتل.. والشرف ليس انتقاما.
الشرف الحقيقي
أن تحمي ابنتك حتى وهي مخطئة، وأن تمنع الخطأ دون أن تهدم الإنسان.
وفي واقعة
الصف، أوردت تقارير صحفية أن التحقيقات نسبت إلى شقيق الفتاة أنه تحرك متأثرا بما سماه
"كلام الناس" عقب عودتها، بينما ما زالت القضية خاضعة للتحقيقات والإجراءات
القانونية.
#والإعلام..
هل نعالج أم نزيد النار اشتعالًا؟
هنا يأتي
دور الإعلام.
ليس كل ما
يصلح للانتشار يصلح للنشر.
حين تتحول
قصة فتاة صغيرة إلى مادة للفرجة، وتتسابق الصفحات على صورها وتفاصيل حياتها الخاصة
وعلاقاتها، فإننا قد نرتكب جريمة أخرى بحقها وبحق أسرتها.
لا نحتاج
إلى مطاردة التفاصيل المثيرة بقدر حاجتنا إلى فتح ملف الأسرة، والتربية، والصحة النفسية
والاجتماعية، والأمان الرقمي، ودور المدرسة، وكيفية اكتشاف علامات الخطر مبكرا.
فإذا كان
الخبر يجعل الناس تتحدث يوما، فإن التحقيق الاجتماعي الجاد قد يجعل المجتمع يفكر سنوات.
لا نريد
"شرطة بعد الكارثة" فقط
الأجهزة
الأمنية تقوم بدورها في البحث عن المتغيبين وكشف الجرائم وضبط المتهمين، وهذا مهم وضروري.
لكن الوقاية
تبدأ قبل البلاغ.
تبدأ عندما
تلاحظ الأم أن ابنتها أصبحت منعزلة.
عندما يلاحظ
الأب تغيرا مفاجئا في سلوك ابنه أو ابنته.
عندما تتدخل
المدرسة بشكل مهني عند ظهور مؤشرات الخطر.
عندما يصبح
لدى الأسرة رقم أو جهة موثوقة تلجأ إليها عند الخوف بدلا من الصراخ والتهديد.
وعندما تتعلم
الفتاة أن طلب المساعدة ليس فضيحة.
#كيف_نمنع_الكارثة؟
نحتاج إلى
منظومة، لا إلى نصيحة عابرة.
#أولا: الأسرة.
حوار يومي
حقيقي، وليس تحقيقا بوليسيا. متابعة للهاتف دون إذلال أو تجسس أعمى، ومعرفة الأصدقاء
والدوائر الرقمية، وتعليم الأبناء كيفية التعامل مع الغرباء والعلاقات الإلكترونية.
#ثانيا:
المدرسة.
وجود دور
فعلي للأخصائي الاجتماعي والنفسي، ورصد التغيرات السلوكية، وإتاحة مساحة آمنة للطالبات
للشكوى وطلب المساعدة.
#ثالثا:
الإعلام.
التوقف عن
تحويل القاصرين إلى أبطال للترند، وعدم نشر التفاصيل التي تضر بهم، والانتقال من صحافة
الإثارة إلى صحافة الوقاية.
#رابعا:
المؤسسات الدينية.
خطاب ديني
يربي على الرحمة والمسؤولية وضبط النفس، ويواجه بوضوح فكرة الانتقام باسم الشرف.
#خامسا:
مواقع التواصل.
توعية الأطفال
بمخاطر مشاركة الصور والبيانات الشخصية، والحسابات الوهمية، والاستدراج العاطفي، واللقاءات
مع الغرباء.
#سادسا:
المجتمع.
أن نتوقف
عن محاكمة الأسرة قبل أن نعرف الحقيقة، وأن نتوقف كذلك عن تحويل "كلام الناس"
إلى محكمة اجتماعية قد تكون أقسى من القانون.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛أخطر
ما في المشهد ليس الجريمة.. وإنما ما قبل الجريمة
ربما تكون
الجريمة في النهاية هي اللحظة الأخيرة فقط.
أما الكارثة
الحقيقية فقد تكون بدأت قبل ذلك بشهور..
فتاة تشعر
أنها غير مفهومة.
أب لا يسمع.
أم تخشى
كلام الناس.
هاتف مفتوح
على عالم بلا حدود.
شخص غريب
يعرف كيف يستغل الاحتياج العاطفي.
ومجتمع يكتشف
كل شيء بعد فوات الأوان.
وهنا يجب
أن نتوقف.
لأن تكرار
وقائع متشابهة لا يعني تلقائيا أننا أمام "ظاهرة"، لكنه يعني أن هناك إشارة
تستحق الدراسة الجادة.
والتعامل
مع الإشارة قبل أن تتحول إلى ظاهرة هو مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات
الدينية، والمجتمع كله.
فلا نريد
أن ننتظر فتاة ثالثة حتى نكتشف أن السؤال لم يكن؛ أين ذهبت الفتاة؟
بل كان السؤال
منذ البداية؛
لماذا شعرت
أن عليها أن تذهب؟
وإذا لم
نجب عن هذا السؤال، فسوف نظل نبحث عن البنات بعد غيابهن، ونبحث عن القتلة بعد وقوع
الجريمة، بينما يكون العلاج الحقيقي قد ضاع في مكان ما بين بيت لم يسمع، وشاشة لم تراقب،
ومجتمع اهتم بكلام الناس أكثر من اهتمامه بإنقاذ الإنسان.
وهنا تحديدا
تبدأ الكارثة..قبل أن تبدأ الجريمة.

0 comments:
إرسال تعليق