في عيد الفلاح،
لا نحتفل فقط برجل يمسك المحراث ويشق الأرض بحثا عن رزقه، وإنما نحتفل بجذور وطن ظل
الفلاح فيه، عبر آلاف السنين، حارسا للأرض وصانعا للغذاء وشريكا أصيلا في بناء الدولة.
ولم يكن
الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر يرى الفلاح رقما في الإحصاء، بل رآه أصل الحكاية
وعماد الوطن. جاءت ثورة يوليو لتفتح صفحة جديدة في علاقة الفلاح بالأرض، فكسرت طوق
الإقطاع، وجاء قانون الإصلاح الزراعي ليعيد توزيع جانب من الملكيات الزراعية، ويمنح
صغار الفلاحين ومعدميهم فرصة امتلاك الأرض والعيش بقدر أكبر من الكرامة والاستقرار.
لم يكن الأمر
مجرد انتقال لملكية بضعة أفدنة من يد إلى يد، وإنما كان ــ في الوعي العام آنذاك ــ
انتقالا اجتماعيا للريف المصري من موقع التابع إلى موقع الشريك.
صار للفلاح
أرض يزرعها، وحقوق اجتماعية أكثر اتساعا، وأبناء تتاح لهم فرص التعليم، وخدمات صحية
وتعاونيات ومؤسسات دولة تصل إلى القرية. ومع بناء السد العالي ومشروعات استصلاح الأراضي
والتوسع في الزراعة، أصبح الفلاح جزءا من مشروع وطني كبير، لا مجرد عامل ينتظر موسم
الحصاد.
لكن ماذا
حدث للفلاح المصري اليوم؟
هنا يأتي
السؤال الذي يفرض نفسه في عيد الفلاح، ليس من باب جلد الحاضر أو تمجيد الماضي، وإنما
من أجل قراءة الواقع كما هو.
فالفلاح
المصري اليوم ما زال يستيقظ قبل شروق الشمس، ويحمل (هم) الأرض والمياه والأسمدة والمبيدات
والعمالة وتكاليف الإنتاج. لكنه في الوقت نفسه يواجه منظومة اقتصادية أكثر تعقيدا،
ارتفعت فيها تكلفة الزراعة، وأصبح هامش الربح في كثير من المحاصيل عرضة لتقلبات الأسعار
وتكاليف مستلزمات الإنتاج.
الفلاح لم
يعد يسأل فقط؛ماذا سأزرع؟
بل أصبح
يسأل؛
بكم سأشتري
التقاوي؟
وبكم سأشتري
السماد؟
ومن أين
سأوفر المياه؟
وكم ستكلفني
العمالة؟
وبأي سعر
سأبيع محصولي؟
وهل سيكفيني
العائد لسداد ما أنفقته؟
وهذه الأسئلة
ليست ترفا، لأنها تتعلق في النهاية بأمن مصر الغذائي.
لقد تغير
الزمن، وتغيرت أدوات الزراعة، ودخلت التكنولوجيا إلى الحقول، وأصبح الحديث عن الزراعة
الذكية والري الحديث والتحول الرقمي والتوسع في الصوب الزراعية واستصلاح الأراضي. وهذه
خطوات مهمة، لكن يبقى السؤال الأهم؛ هل يشعر الفلاح الصغير بأن ثمار هذا التطور تصل
إليه بالقدر الكافي؟
فالفلاح
لا يريد أن يكون مجرد مستفيد من الدعم، ولا يريد أن يعيش على المعونات، وإنما يريد
قبل كل شيء عدالة في الحصول على مستلزمات الإنتاج، وسعرا عادلا لمحصوله، ومياها كافية،
وتسويقا منظما، وتأمينا يحميه من تقلبات الطبيعة والسوق.
الفلاح المصري
لا يطلب المستحيل.
هو يريد
أن يزرع وهو مطمئن إلى أن ما ينفقه على الأرض لن يضيع. يريد أن يعرف قبل أن يضع البذرة
في التراب أن هناك سوقا عادلة تنتظر محصوله. يريد أن يشعر أن الدولة تنظر إليه باعتباره
شريكا في صناعة الغذاء، لا مجرد منتج في نهاية سلسلة اقتصادية طويلة.
وفي عيد
الفلاح، ربما تكون المقارنة بين الأمس واليوم ضرورية، لكن الأهم منها أن نطرح سؤال
المستقبل؛
كيف نعيد
للفلاح مكانته الاقتصادية والاجتماعية التي تليق بدوره؟
الإجابة
لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بسياسات زراعية مستقرة، وإرشاد زراعي حقيقي، وتعاونيات
أكثر فاعلية، وتشجيع على التصنيع الزراعي، وتقليل الفاقد، وتطوير نظم الري، وحماية
الأراضي الزراعية، وربط الإنتاج باحتياجات السوق، والأهم من ذلك كله أن يكون للفلاح
صوت مسموع في صياغة السياسات التي تمس حياته وأرضه.
لقد تغيرت
مصر كثيرا منذ ثورة يوليو، وتغير الريف المصري أيضا. لكن هناك شيئا لم يتغير..
الأرض ما
زالت تنتظر الفلاح.
وما زال
الفلاح يحمل على كتفيه مسؤولية لا يشعر بها كثيرون؛ فكل رغيف خبز، وكل طبق أرز، وكل
محصول يخرج من الحقل، يقف خلفه رجل وامرأة وأسرة قضوا شهورا بين الشمس والماء والطين.
لذلك فإن
تكريم الفلاح الحقيقي لا يكون في يوم واحد من العام.
تكريمه الحقيقي
أن نضمن له حياة كريمة، وأن نحمي أرضه، وأن نحافظ على مياهه، وأن نضمن له عائدا عادلا
من تعبه، وأن نمنح أبناءه فرصا حقيقية في التعليم والصحة والعمل.
في عيد الفلاح،
نتذكر الماضي لا لنسكن فيه، وإنما لنسأل الحاضر.. ماذا قدمنا لمن يزرع لنا المستقبل؟
فالفلاح
ليس مجرد صورة على جدار، ولا أغنية في مناسبة، ولا رقما في تقرير.
الفلاح هو
من يضع البذرة في الأرض، ثم ينتظر أن تحصد مصر كلها ثمرة تعبه.
كل عام وفلاح
مصر بخير...
وكل عام
وأرض مصر عامرة بأهلها وزارعيها.

0 comments:
إرسال تعليق