• اخر الاخبار

    الأحد، 27 سبتمبر 2026

    أحزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن: حين يموت المعلم واقفا ويسقط معه جدار الهيبة

     


     

    لم تكن وفاة الأستاذ محمود سيد عثمان، كبير معلمي اللغة العربية بمدرسة علي مبارك الإعدادية بنات بديروط، مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، ولا مجرد سطر جديد في سجل الوفيات.

    فالرجل الذي أفنى سنوات من عمره داخل محراب التعليم، رحل من قلب المدرسة، المكان الذي كان يفترض أن يكون فيه آمنًا ومحاطًا بهيبة القانون واحترام المهنة.

    المؤكد أن الأستاذ محمود توفي داخل المدرسة أثناء اليوم الدراسي، وأُعلن أن الوفاة جاءت إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، بينما تتداول مصادر محلية روايات عن مشادة سبقت الوفاة وتطورها إلى اعتداء داخل المدرسة. وهنا تحديدا لا يجوز أن نستبق التحقيق، لكن لا يجوز أيضا أن ندفن الأسئلة مع صاحبها.

    فإذا كان هناك اعتداء، فمن المسؤول؟ وما الذي حدث في دقائق الرعب التي سبقت سقوط المعلم؟ ومن كان موجودا؟ ومن تدخل؟ ومن تقاعس؟

    هذه ليست أسئلة للفضول، وإنما أسئلة العدالة.

    فالطبيب قد يكتب في الأوراق أن القلب توقف، لكن التحقيق وحده يستطيع أن يحدد ..ما الذي سبق توقف القلب؟

    هل كانت هناك مشادة فقط؟

    هل وقع اعتداء؟

    هل تعرض المعلم لضغط عصبي وجسدي شديد؟

    هل كان هناك أكثر من طرف؟

    وهل قصرت إجراءات التأمين داخل المدرسة في منع دخول أشخاص من خارجها أو حماية المعلم أثناء أداء عمله؟

    كل ذلك يجب أن تعرفه النيابة والجهات المختصة، بعيدا عن الشائعات، وبعيدا كذلك عن محاولات تبرئة أحد أو إدانة أحد قبل اكتمال التحقيق.

    عندما يتحول ولي الأمر إلى خصم

    هناك خط فاصل بين أن يذهب الأب إلى المدرسة ليسأل عن ابنته، وبين أن تتحول المدرسة إلى ساحة صراع.

    ولي الأمر من حقه أن يستفسر، وأن يعترض، وأن يقدم شكوى، وأن يلجأ إلى الإدارة التعليمية والجهات المختصة.

    لكن ليس من حق أحد أن يحول اعتراضه إلى استعراض قوة.

    فالمدرسة ليست شارعا بلا قانون، والمعلم ليس خصما في معركة، والطالب ليس مشروعا لتعبئة الأسرة ضد المدرسة.

    وإذا ثبت أن اعتداء وقع بالفعل على المعلم، فالقضية هنا لا تتعلق بمحمود وحده، وإنما بمبدأ أكبر..هل يستطيع المعلم أن يؤدي واجبه دون خوف؟

    لأن المعلم الذي يخشى ولي الأمر، ويخشى الطالب، ويخشى الهاتف المحمول، ويخشى أن تتحول ملاحظته التربوية إلى أزمة عائلية، لن يستطيع أن يبني جيلا يعرف معنى الانضباط.

    وحين يصبح الهاتف أسرع من العقل

    أخطر ما في الحكاية، إن صحت الروايات المتداولة بشأن بدايتها، ليس مجرد خلاف على سلم أو تعليمات مدرسية.

    الأخطر أن بعض الخلافات الصغيرة أصبحت اليوم قادرة على استدعاء الكبار إلى المدرسة بدل استدعاء العقل.

    طالبة تختلف مع معلم؟

    تتصل بالأسرة.

    ولي أمر يغضب؟

    يحضر إلى المدرسة.

    خلاف على قرار تربوي؟

    يتحول إلى مواجهة.

    وهكذا يصبح الهاتف المحمول أحيانا أسرع من الحوار، ويصبح الغضب أسرع من الحكمة، ويصبح استدعاء القوة أسرع من الرجوع إلى القانون.

    وهنا يجب أن نسأل أنفسنا؛ ماذا فعلنا بالتربية؟

    مات رجل.. لكن السؤال ما زال حيا

    الأستاذ محمود لم يكن رقما في دفتر الحضور والانصراف.

    كان معلما.

    وهذه الكلمة وحدها كانت يوما تكفي ليقف الطالب احتراما، ويقف ولي الأمر تقديرا، ويقف المجتمع كله مدركا أن من يقف أمام أبنائنا كل صباح يحمل مسؤولية أكبر من مجرد شرح درس.

    قد يختلف الناس مع المعلم.

    قد يخطئ المعلم.

    وقد يخطئ الطالب.

    لكن الخطأ لا يعالج بالضرب، والخلاف لا يعالج بالعنف، والاعتراض لا يكون بالبلطجة، والحقوق لا تسترد بالأيدي.

    الطريق إلى الحق اسمه القانون.

    لا نريد قتيلا من ورق

    لا نريد أن يتحول الأستاذ محمود إلى مجرد صورة سوداء وعبارة"رحمه الله".

    ولا نريد أن تنتهي الحكاية عند عبارة "هبوط حاد في الدورة الدموية" دون أن نعرف ما سبق هذا الهبوط إذا كانت هناك واقعة اعتداء أو مشادة.

    وفي الوقت نفسه، لا نريد أن نحول الشائعات إلى أحكام إعدام اجتماعية على أشخاص لم تثبت إدانتهم.

    نريد شيئا واحدًطا:

    الحقيقة.

    حقيقة كاملة، لا تخاف اسما، ولا عائلة، ولا نفوذا، ولا منصبا.

    فإذا أثبت التحقيق وجود اعتداء تسبب في الوفاة أو ساهم فيها، فليأخذ كل من تثبت مسؤوليته جزاءه وفق القانون.

    وإذا أثبت التحقيق غير ذلك، فعلينا أيضا أن نحترم الحقيقة.

    هذه هي العدالة.

    أين كانت حماية المدرسة؟

    وهنا سؤال آخر لا يقل أهمية؛

    إذا ثبت أن أشخاصا من خارج المدرسة دخلوا إلى حرمها وحدثت مشادة أو اعتداء، فكيف حدث ذلك؟

    من المسؤول عن بوابة المدرسة؟

    أين الإشراف؟

    أين الأمن؟

    وأين الإجراءات التي يفترض أن تجعل المدرسة مكانا آمنا للطلاب والمعلمين؟

    هذه ليست أسئلة اتهام لإدارة المدرسة، وإنما أسئلة تحقيق ومساءلة إدارية يجب أن تجيب عنها الجهات المختصة إذا ثبت وجود تقصير.

    فالمدرسة التي لا تستطيع حماية معلمها أثناء أداء عمله، تحتاج إلى مراجعة منظومة الحماية والانضباط فيها.

    لا تجعلوا القضية طائفية

    ومن المهم هنا أن نقولها بوضوح؛

    القضية ليست دينا ولا طائفة.

    لا يهمنا أن تكون أسرة هذا أو ذاك مسلمة أو مسيحية.

    المسجد والكنيسة خارج هذه القضية تماما.

    القضية ـ إذا ثبتت وقائع الاعتداء ـ هي إنسان اعتدي عليه، ومعلم كان يؤدي عمله، ومدرسة لها حرمتها، وقانون يجب أن يسري على الجميع.

    لا طائفية في الجريمة، ولا طائفية في العدالة.

    محمود ليس وحده

    حين يسقط معلم في مدرسته، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط..كيف مات؟

    بل يجب أن يكون أيضا؛

    كيف وصلنا إلى أن تصبح كرامة المعلم قابلة للانتهاك داخل المدرسة؟

    كيف أصبح البعض يرى أن صوته أعلى من القانون؟

    كيف تحول ولي الأمر من شريك في التربية إلى خصم محتمل للمدرس؟

    ومتى فقدنا تلك المسافة المقدسة بين البيت والمدرسة، بين الطالب والمعلم، بين الاعتراض والقانون؟

    إن أزمة الأستاذ محمود ـ كما تكشفها الأسئلة المطروحة حول الواقعة ـ أكبر من شخص واحد.

    إنها أزمة هيبة التربية.

    وأزمة احترام المدرسة.

    وأزمة ثقافة الحوار.

    وأزمة مجتمع يجب أن يتوقف لحظة أمام المرآة.

    فإذا كان المعلم يخاف أن يقول لطالبة؛ "التزمي بتعليمات المدرسة"، خوفا من أن تنقلب الملاحظة إلى خصومة عائلية، فماذا بقي من التربية؟

    وإذا كان ولي الأمر يظن أن القوة تستطيع أن تحسم ما عجز الحوار عن حسمه، فماذا نعلم أبناءنا؟

    حق محمود هو حق الحقيقة

    نحن لا نطالب بالانتقام.

    نطالب بالتحقيق.

    لا نطالب بإدانة أحد قبل ثبوت مسؤوليته.

    نطالب بأن تفحص الواقعة بكل تفاصيلها، وأن تسمع شهادة المعلمين والعاملين، وأن تراجع كاميرات المراقبة إن وجدت، وأن تعرف ملابسات المشادة، وأن يحدد التحقيق ما إذا كان هناك اعتداء وما علاقته بالوفاة.

    نريد تحقيقا لا يعرف المجاملة.

    ولا يهمنا اسم العائلة ولا مكانتها ولا علاقاتها.

    من تثبت مسؤوليته فليحاسبه القانون، ومن تثبت براءته فلينصفه القانون.

    أما أن تضيع الحقيقة بين رواية تقول "هبوطا حادا" ورواية أخرى تتحدث عن اعتداء، فذلك ظلم للحقيقة قبل أن يكون ظلما لأحد.

    لقد مات الأستاذ محمود.

    لكن ما يجب ألا يموت معه هو السؤال؛

    هل ما زالت المدرسة محرابا للتربية؟

    وهل ما زال المعلم قادرا على الوقوف أمام تلاميذه وهو مطمئن إلى أن القانون يحميه؟

    رحم الله الأستاذ محمود سيد عثمان، وألهم أسرته وزملاءه الصبر.

    ويبقى واجبنا أن نقول؛

    لا تجعلوا موت معلم يمر كخبر عابر.

    فالمعلم حين يهان، تهان معه التربية.

    وحين يعتدى على هيبة المدرسة، لا يسقط شخص واحد فقط..

    بل يتشقق جدار كامل اسمه" المجتمع".

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أحزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن: حين يموت المعلم واقفا ويسقط معه جدار الهيبة Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top