• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

    تجلياتٌ في رواية " ما قاله النّاجون " للروائي محمد العبودي - الجمهورية العراقية .. بقلم / أ.د. أحلام الحسن

     

     


     المقدّمة :

     

    تأخذنا هٰذه الرّواية المثيرة للشجون وللألم نحو دهاليزَ مظلمةٍ تناثر فيها غبار الماضي، وعشعشت فيها جراح الذكريات، لنعبرَ من خلالها عبر ممرات الزمن السالف نحو مرحلةٍ زمنيةٍ من أبشع المراحل التي مرّت على الشعب العراقي، والذي طالما لأزمته الأحداث الصعبة،والتقلبات السياسية، وبالتحديد في بداية الثمانينات ولغاية 2003 م ، في مرحلةٍ زمنيةٍ كانت مثقلةً بالصراعات السياسية والمذهبية والطائفية المتعددة ، وبالخوف الملازم كالظلِ كالجاثوم الجاثم على الصدور، وكالكوابيس المرعبة كل ليلة ، وبالإضطهاد والألم الذي تحكمه وتسيّره توجّهاتٌ فكريةٌ صعبة المراس، من الفئات العنصرية والطائفية والمذهبية ، ومن بين مخاضات الألم وُلدت حكاية نضال شعبٍ أعزلٍ لم تتفتح زهور حدائقه بعد، تعانق حكاية الوطن النازف ، ليجد الشعب العراقي نفسه في مواجهةٍ عنيفةٍ مع نظامه المستبد من خلال استراتيجيةٍ كثيفةٍ لواقعٍ سياسيٍّ فاق كلّ التصورات العقلية في دكتاتوريته وشراسته، واقعٌ حطم تطلعاتهم الوطنية ، وأحلامَهم الوردية، وبدّد آمالهم المستقبلية، وأطبق أنفاسهم، وكبت حرياتهم ، وجعل مئات العوائل في متاهاتٍ لا نهاية لها من تفشي ظاهرة الرعب والإضطهاد والإعتقالات العشوائية.

     القراءةٌ التحليلية للرواية :

    ا================

    العتبة الأولى- عنوانُ الرّواية :

     يحمل عنوان رواية «ما قالهُ النّاجون» كثافةً دلاليةً وإنسانيةً واسعةً تدل على أحداثٍ ماضيةٍ كانت تحفّ بالمخاطر ، فهو عنوانٌ لا يكشف تفاصيل الرواية، بل يختزلها في كلمتين، تاركًا للقارئ عملية البحث والتنقيب بين فقرات الرواية عن الحلقات المفقودة، أو المغلقة، من خلال صرخات الذين عاشوا أحداثها ، وخرجوا منها محمّلين بذاكرة ٍ مشتعلةٍ بالألم المعتصر بين أضلاعهم.

    فالناجون هنا ليسوا مجرد أشخاصٍ نجوا من الموت، بل هم شهود أعيانٍ على زمن عانى فيه الشعب العراقي أقسى المعأناة وحملة ذاكرةٍ مريرة، وأصحاب شهاداتٍ تفضح محاولاتِ السلطوية التي سعت جاهدةً لطمس آثار الجرائم الحمراء، لأن الإفصاح بعد القمع نجاةٌ أخرى، والشهادة بعد الخوف استردادٌ للحق بعد الإغتصاب، واتضاح الصورة بعد الاعتام حقيقة.

    ومما لا شك فيه أن أكثر جاذبيةٍ تحققها هذه الرواية هي عنوانها، فهي لم تعنون ب: «ما حدث للناجين» بل : «ما قاله الناجون»؛ وكأن الرواية تمنح هؤلاء الذين سُلبت منهم حرياتهم في يومٍ ما فرصة استعادتها، والإفصاح عمّا كان مكبوتًا بداخلها ، فالتضحيات والبطولات تبقى حيةّ لا تموت.

    الحبُّ في زمن الهيمنة الدكتاتورية:

     بدأت الحكاية من فضاء الجامعة، حيث ولد ذلك الحبِّ على أدراجها الدراسية، حبٌّ يحمل الأمل والصفاء ، حبٌٌ شاءت الغيوم السوداء أن يصطدم بسلطةٍ وواقعٍ استبداديٍّ جائر، لا حياة للاستقرار والاستمرار تحت سقف سلطته وأيدي نفوذه،

    ويغدو الحب ذاته شاهدًا على زمنٍ لم يكن يسمح للإنسان بأن يختار من يحب! أو متى يتحقق الاستقرار العائلي لذاك الحب.

    ومن مدارج الجامعة تأخذنا الرواية إلى صراعات الوطن الجريح فوق أرصفة شوارعه العتيقة والجديدة ، لتصور لنا امتدادًا واسع النطاق في مظلومية الشعب العراقي في ظل الحكم الدكتاتوري للرئيس صدام حسين، وتصور آثار القمع والإعتقالات الجبروتية المفروضة على الشعب العراقي، ومطاردات الأجهزة الأمنية لرجالات الحوزات الدينية وطلابها ، وعشعشة خوف الإعتقالات العشوائية، والسجون المظلمة المتسخة المملؤة بممارسات أبشع ألوان التعذيب .

     في غرف التحقيق والاستجواب :

     تصبح صدمة الوجوه المقنعة هي المصيبة الأولى للمعتقلين، والصدمة التي تنتظرهم داخل غرف التعذيب والتحقيق؛ حينما يفاجئ المعتقلون بكومٍ من المحققين الذين كانوا من جملة الأصدقاء المقربين !! وهنا تلعب الخيانات أدوارها المتقنة في رصد حركة المقاومة الشعبية وبعيون الأصدقاء !

    هناك العديد من الروايات الخيالية الرائعة ، ولكن أقساها ما كان من واقع الصندوق الأسود المحتفظ بذاكرة الأيام المؤلمة، التي تحمل معها الجراح المتفتقة ، ومن هنا جاءت رواية " ما قاله الناجون " لتفصح عن بشاعة الحكم السلطوي آنذاك، فهذه الرواية قد استمدت روح الحياة من أبطالها الذين لم يستطع الموت الوجداني أن ينقلهم إلى القبور الدارزة .

    تجلياتٌ حول الكاتب :

    ا==============

    تتجلى مُكنة الكاتب الروائية في قدرته على الخوض في صياغة روايةٍ شديدة الحساسية إلى يومنا هذا، قد لا تخلو من الخطورة،

     حيث أنّ الكتابة عن مثل هذه الوقائع المعقدة تتطلب مُكنةً أدبيةً عالية الجودة، والكثير من الحذر حتى لا تتحول الرواية إلى مجرد استعراضٍ لأحداثٍ مضت وانتهت.

    وحقيقةً أنّ الكاتب قد حقق نجاحًا باهرًا في إبراز معالم الجرائم السلطوية عبر مسح الغبار عن براويزَ حوت صور المأسأة مانحًا أصواتهم مساحة التعبير عمّا عاشوا فيه من اضطهاْدٍ وعمّا ظلّ عالقًا في وجدانهم ، ومن خلال هذا السرد تتفلت الحقيقة من الذاكرة، والتاريخ بالتجربة الإنسانية، فيصبح القارئ أمام صفحاتٍ لا يقرأ أحداثها فحسب، بل يرى صور تلك البطولات وتلك الجرائم جليةً أمامه .

     لم تكتفي عيونُ الكاتب برصد قسوة الوضع الأمني والسياسيّ وتحركات الدكتاتورية العنصرية، بل سعت للكشف عن مدى تلك العنصرية في نشر الرعب والاستبداد في الإنسان العراقي ، وما حققه التمييز العنصري من إثارة الفوضى وإزهاق الأرواح البريئة.

    ومن هذا المنطلق الجاد استطاع الكاتب إداء مهمته على أكمل وجه، لم يكن هناك سردٌ ، بل كان شريط فيلمٍ يعرض بواقعيةٍ تركت آثارها في ذهن القارئ صوتّا وصورةً تفيض بذاكرةٍ تحدّت النسيان .

    النقدُ الموضوعيّ في البيئة الرّوائيّة :

    ا======================

    تجلّت تجربة الكاتب في كتابة رواية " ما قاله الناجون " في قيمتها الأدبية والفنية لتحقق إبداعًا روائيًا متكاملًا، اتسمت كتاباته بالطاقة الإيجابية وبالدقة اللغوية والمصداقية التاريخية.

     ولقد تمتع الرّوائي محمد العبودي بقدرةٍ فائقةٍ على اقتحام منافذ مرحلةٍ تاريخيةٍ شديدة التعقيد والقسوة من ذاكرة الشعب العراقي  في استحضار أحداثٍ واقعيةٍ مؤلمة، ووقائعَ إجراميةٍ قاسيةٍ ارتبطت بمرحلةٍ من أكثر مراحل التاريخ مرارةً وقسوة، فهو لم يكتف بسرد الوقائع فحسب ، بل أعاد تشكيلها بصيغةٍ أدبيةٍ وروائيةٍ بارعة ، ليكشف من خلالها للقارئ عن مدى حجم المأساة التي عاشها الشعبُ العراقي من مرارة الاستبداد وفرعنة الطغيان .

    وتزداد أهمية تجربته في تناوله لشخصية دكتاتورٍ تفنّن في ممارسة كافة أساليب القمع، وتجاوز في طغيانه كل الحدود، فجعل من التهم الفارغة المحتوى وسيلةً  للحكم، ومن البطش أداةً للإخضاع .

    وقد استطاع الكاتب بقدرته وفطنته بأن يصور هذه الوقائع بلغةٍ روائيةٍ مؤثرة، وبسرديةٍ متماسكة الأدوات الفنية للأدب الروائي .

     حيث تميزت الرواية بقدرة الكاتب على تصوير الأحداث للقارئ كأنها أمام عينيه بالفعل ! وأن يمنح أبطال الرواية حضورًا ذهنيًّا مترابط الحدث مع ذاكرة الشعب العراق، والتي لم تفلح ممسحة الأيام من إزالتها.

     فالرواية لدى محمد العبودي ليست مجرد سردياتٍ جافة، بل هي شهادةٌ بعين الحقيقة الثاقبة على مرحلةٍ زمنيةٍ أثقلتها الجراح التي لم تندمل بعد، وخطتها الدماء النازفة ، في محاولةٍ جريئةٍ لإيصال صرخات الضحايا إلينا ، حتى بعد رحيل المئات منهم للعالم الآخر.

    في تحدّ ٍ للإختزال الأدبي في سرد تلك المشاهد المؤلمة .

      إنّ رواية " ما قاله النّاجون  " روايةٌ ملحميةٌ بارزة المعالم من خلال تعدّد الشخصيات واختلاف طبقاتهم ، وفي شمولية الموضوعات التي دارت أحداثها في ثلاثة عشر فصلًا ضمّت أحداثًا معقدةً استطاع الكاتب فيها استحضار الوقائع التاريخية بكلّ جرأةٍ ومصداقيةٍ سرديةٍ مؤثرة .

    دعواتي للأديب الرٌوائي محمد العبودي بمزيدٍ من التقدم والتألق والعطاء الأدبي النافع.

     **كاتبة الدراسة

    أكاديمية -دكتوراه إدارة موارد بشرية.

    ماجستير إدارة أعمال.

    شهادة ICC الدولية.

    شاعرة وحاصلة على شهادة اعتمادٍ جامعيةٍ في علم العَروض من جامعة قناة السويس.

    لها 14 مؤلفًا منها سبعة دواوين شعرية.

    لها كتبٌ في إدارة الأعمال.

    باحثةٌ ولها 13 بحثًا علميًّا دوليًا محكمًّا.

     كتبت العديد من الدراسات التحليلية

     والمقدمات لمؤلفين من الوطن العربي.

    لها عدًة دراساتٍ أدبية ومقالاتٍ منشورة في عدة جرائد.

    تم اختيارها من أبرز المؤلفين العرب لعام 2019 وتم تكريمها في جمهورية مصر العربية.

    حاصلة على ثقة الكثير من الأكاديميين وتم ترشيحها لجائزة العنقاء وغيرها من الجوائز.

    الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: تجلياتٌ في رواية " ما قاله النّاجون " للروائي محمد العبودي - الجمهورية العراقية .. بقلم / أ.د. أحلام الحسن Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top