• اخر الاخبار

    الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

    رطوبة الجدران ..بقلم/ حمزة الشوابكة

     


    في بعض البيوت، تبدأ الحكاية من بقعة رطوبة على الجدار، تكبر البقعة في العين أكثر مما تكبر على الحائط، فنراها كل صباح، ونفكر في الطلاء، وفي بيت أجمل، وفي حياة لا يُفسد صفوها شيء.

    ربما لا تكون المشكلة في الرطوبة نفسها؛ بقدر ما هي في الإنسان حين يعتاد أن يرى ما ينقصه، أكثر مما يرى ما بقي له!

    نحن لا نتعب دائما من الفقر، بل نتعب أحيانا من مقارنة فقرنا بحياة تبدو أوسع منا، فننظر إلى البيت الذي نتمناه، وإلى الثوب الذي لم نشتره، وإلى الدخل الذي لم نبلغه، ثم ننسى أن ما نسميه اليوم «قليلا»؛ كان يمكن أن يكون في زمن آخر، أو في حياة إنسان آخر، كثيرا جدا.

    ليس في ذلك دعوة إلى الاستسلام، فمن حق الإنسان أن يسعى إلى بيت أفضل، ورزق أوسع، وأيام أيسر، لكن: ثمة فرقا بين أن تسعى إلى حياة أفضل؛ وبين أن تؤجل رضاك إلى أن تأتي تلك الحياة!

    فقد يأتي البيت الجديد؛ وتبقى النفس تبحث عن بيت أكبر، وقد يزيد المال؛ فيكبر معه ما تظنه ناقصا، وكأن الإنسان لا يطارد الأشياء، بقدر ما يطارد صورة متخيلة عن الاكتفاء، وهي صورة لا ولن تكتمل في الدنيا.

    لعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه المرء من ضيق العيش؛ أن الدنيا ليست مكانا للاستقرار النهائي، بل نحن نعبرها بأثقالنا الصغيرة، نفرح بشيء ونفقد شيئا، نصلح جدارا ثم يتشقق جدار آخر، حتى نفهم متأخرين؛ أن كل هذا لم يكن إلا تفاصيل في طريق أطول.

    لذلك؛ حين ترى رطوبة الجدار، أصلحها إن استطعت، ولكن: لا تجعلها تُقنعك بأن حياتك ناقصة، فربما كان النقص الحقيقي، أن نعيش بين النعم كلها، ولا نلتفت إلا إلى البقعة التي أفسدت علينا الجدار.

    واعلم أن الدنيا لا تصبح أجمل حين تخلو من العيوب؛ فربما تصبح أجمل، حين نتعلم ألا نجعل عيوبها تحجب عنا ما فيها من جمال، وربما كانت رطوبة الجدران؛ أقل ما ينبغي أن نقلق بشأنه، ما دام في القلب متسع للأمل، وفي النفس قدرة على احتمال الأيام كما تأتي.

    إن بعض البيوت لا تحتاج إلى جدران جديدة، بقدر ما تحتاج إلى عين تنظر إليها بطريقة مختلفة.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: رطوبة الجدران ..بقلم/ حمزة الشوابكة Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top