حرب إيران تطارد الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" ، وهو يخشى أن تدهسه الحرب ، التى ورطه فيها "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء كيان الاحتلال "الإسرائيلى"، وسبب ذعر "ترامب" من الحرب اليوم ، هو اقتراب ساعة الحساب بعد نحو شهر ونصف الشهر ، وخشيته من فوز "الحزب الديمقراطى" المعارض فى انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس الأمريكى (النواب والشيوخ) المقررة أوائل نوفمبر المقبل ، وقد زادت مخاوف "ترامب" مع قرار جديد لمجلس النواب هو الثالث من نوعه ، والقرار ـ كسابقيه ـ يطالب بوقف العمليات العسكرية الأمريكية على إيران ، وسحب القوات الأمريكية من مناطق العمليات ، ورد "ترامب" ـ كالعادة ـ بالغض من شأن هذه القرارات ، وادعى أنه لا يخوض حربا ضد إيران ، بل هى مجرد عمليات عسكرية تتيحها سلطاته المنفردة كرئيس منتخب ، غير أن ما يقلق ترامب أكثر ، أن القرارات المناوئة لم تصدر فقط بتصويت النواب الديمقراطيين ، بل أيدها فى التصويت عدد من نواب حزبه "الجمهورى" ، بسبب زيادة مخاوفهم من الظهور فى صورة المؤيدين لحرب "ترامب" على إيران ، وهو ما يضر بفرصهم فى الفوز بانتخابات التجديد النصفى ، خصوصا مع ضعف شعبية هذه الحرب الخاسرة ، وتدنى شعبية صاحبها "ترامب" إلى حدود 33% فى استطلاعات الرأى العام الأخيرة .
وقد حاول "ترامب" الهروب إلى الأمام
، وادعى مرات أن الحرب انتهت ، وأنه حقق نصرا ساحقا فيها ، ثم عاد ليعد بإنهاء الحرب
عقب انتخابات التجديد النصفى ، وأقدم علنا على عروض فاضحة لرشوة الناخبين بمنح كل ناخب
أمريكى خمسة آلاف دولار ، إذا فاز حزبه "الجمهورى" بالأغلبية مجددا فى مجلسى
النواب والشيوخ ، وهو ما أكده نائب الرئيس "جى .دى . فانس" ، وقال أن عرض
"ترامب" ممكن التنفيذ ، وأنه سيكلف نحو تريليون دولار ، تنوى إدارة "ترامب"
توفيرها من عوائد رفع الرسوم الجمركية على صادرات الدول الأخرى إلى أمريكا ، وهكذا
بدت الأحوال مزرية فى أمريكا ، التى تعتبر نفسها أعظم ديمقراطية فى العالم ، وكأن الرشوة
الانتخابية صارت من أنزه التقاليد الديمقراطية ، ثم زاد "ترامب" الطين طينا
، وأصدر قرارا تنفيذيا يقيد عمليات التصويت الانتخابى عبر البريد ، وهو ما رفضته المحكمة
العليا ، ففتح "ترامب" النار على قضاتها ، وبالذات قضاة المحكمة الذين سبق
له تعيينهم ، وكأن الرشاوى الانتخابية والعدوان على القضاء ، صارا من التقاليد الأصيلة
لديمقراطية جلالة الرئيس "ترامب" (!) .
والسبب ظاهر فى ذعر "ترامب" من انتخابات
التجديد النصفى المقبلة ، فقد أدت حربه على إيران إلى تدمير بضاعته الشعبية ، وهو الذى
يركز كثيرا على نجاحاته الاقتصادية المتخيلة ، وأولها خفض معدل التضخم وانخفاض الأسعار
، بينما أدت حرب إيران إلى العكس بالضبط ، ولم يبتلع المواطنون الأمريكيون أكاذيبه
المتكررة ، وبالذات أقواله العبثية عن السيطرة الكاملة على "مضيق هرمز" ،
وحماية عبور السفن والناقلات بحرية عبر ممر جنوبى بالقرب من سواحل "سلطنة عمان"
، وأن تدفق البترول والغاز ، عاد لمعدلاته الطبيعية قبل الحرب ، أو عاد ـ على الأقل
ـ لنصف ما كان ، على حد زعم نائب الرئيس "فانس" ووزير الحرب "بيت هيجسيث"
، بينما السوق نفسه يكذب "ترامب" وإدارته ، وأسعار "البنزين" و"الديزل"
تقفز إلى الضعف ، وسعر برميل البترول عاد إلى الارتفاع إلى نحو 110 دولارات ، وكلما
ارتفع سعر "برميل" البترول ، صرخ المواطن الأمريكى من غلاء البنزين والديزل
والأسمدة والبتروكيماويات عموما ، وهو ما يضاعف من حرج ومأزق مرشحى حزب "ترامب"
، وأغلب استطلاعات الرأى ترجح خسارة "الحزب الجمهورى" لأغلبيته الطفيفة الحالية
فى مجلسى النواب والشيوخ ، خاصة فى "مجلس النواب" ، الذى يجرى تجديد كل مقاعده
فى انتخابات أوائل نوفمبر المقبل .
وفوز "الديمقراطيين" فى مجلسى الكونجرس"
أو حتى فى "مجلس النواب" وحده ، يقض مضاجع "ترامب" وعائلته وقبيلته
من كبار المليارديرات ، ليس فقط بسبب إمكانية العودة إلى كابوس عزل "ترامب"
عن الرئاسة ، وقد حدث شئ من ذلك فى رئاسته الأولى لمرتين ، صحيح أن سيناريو "العزل"
لم يكتمل وقتها ، لكن مجرد العودة إلى اقتراح العزل يرعب "ترامب" ، ثم أنه
من الوارد جدا ، أن تدعو الأغلبية الديمقراطية ـ حال توافرها ـ إلى تحقيقات وجلسات
استماع لمليارديرات عائلته الذين استفادوا بالمليارات من قرارات "ترامب"
، وبالذات أنجاله ومبعوثيه المفضلين المقاولين "ستيف ويتكوف" و"جاريد
كوشنر" زوج إبنة "ترامب" الكبرى ، فوق أن ذهاب أغلبية الكونجرس إلى
معارضى "ترامب" ، يشل حركة وحرية قراراته المنفردة ، وينتهى به إلى وضع "البطة
العرجاء" فى النصف الثانى من رئاسته الثانية الحالية .
وقد جرب "ترامب" فكرة الهروب من الكوابيس
، ووعد الأمريكيين بإنهاء حربه على إيران بعد انتخابات التجديد النصفى ، وهو ما عاد
نائبه "فانس" إلى التأكيد عليه ، ومن دون أن يعرف أحد ، أو يقول "ترامب"
و"فانس" شيئا عن طريقة إنهاء الحرب ، خصوصا بعد وصول حملاته العسكرية إلى
حائط مسدود ، وإعلان مفتش "البنتاجون" عن انخفاض مقلق فى مخزون الصواريخ
والذخائر العسكرية الأمريكية ، وهو ما كذب مزاعم "ترامب" عن ذخائر أمريكا
التى لا تنفد ، وتقليله من حجم الخسائر بسبب الضربات الإيرانية الصاروخية على القواعد
الأمريكية فى المنطقة ، وهو ما كذبه علنا تقرير مفتش "البنتاجون" ، واعترف
بوقوع خسائر بعشرات مليارات الدولارات فى الأصول والقاذفات والصواريخ على أرض القواعد
إياها ، ورغم أن أكاذيب "ترامب" لا تنفد ، فإنه يتجاهل "القاعدة الذهبية"
فى عالم الكذب والكذابين ، وهى أنه إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ، ويعد بتدمير إيران ،
رغم أنه أعلن من شهور عن محو "إيران" وإزالتها من على وجه الأرض ، وأنه انتقل
من القصف من الجو إلى خنق إيران اقتصاديا ، وإرغامها على رفع راية استسلام ، لم يحدث
، ولا يبدو حتى محتملا ، رغمها يكرر "ترامب" مزاعمه ، ويدعى مجددا ، أن إيران
تتوسل من أجل إبرام اتفاق ، ويقول مرات أن المفاوضات قد تستأنف قريبا ، ثم يعود لتكذيب
نفسه وابتلاع حلقه ، ويقول أنه لا مفاوضات أبدا مع إيران ، وأنه ينوى شن هجوم على موقع
"جبل الفأس" الإيرانى النووى ، مع أنه قال مرارا وتكرارا ، أنه دمر ومحا
مواقع البرنامج النووى الإيرانى فى عملية " مطرقة منتصف الليل " خلال حرب
الإثنى عشر يوما فى يونيو 2025 .
وربما يكون من العبث ، أن تحاول العثور على تفسير
لتناقضات "ترامب" ، فهو نفسه ـ أى "ترامب" ـ لا يجد لها تفسيرا
، وحتى رغبته المعلنة فى الخروج من حرب إيران ، لا يعرف لها طريقا بذاته ، فهو يخاطب
الداخل الأمريكى لتهدئته وكسب الوقت ، ويتصور أنه ذكى يخاطب جمعا من الأغبياء ، وتستبد
به أوهامه وخيالاته ، ويفضل العيش فى فقاعته المصنوعة ، ويقول لك ، أنه عازم على الاستيلاء
على بترول إيران كما فعل فى "فنزويلا" ، ومن دون أن يدرك الفوارق المرئية
حتى للعميان ، فلم يحقق فى سبعة شهور من الحرب على إيران شيئا مما وعد به أو تخيله
، وإن رغب اليوم أو غدا فى إنهاء الحرب على إيران ، فإن الأخيرة لن تترك له فرصة الخروج
الآمن ، فقد زعم فى بداية الحرب ، أنه يشن هجوما خاطفا كاسحا ، لن يستغرق سوى بضعة
أيام أو أسبوعين ، ثم امتدت الحرب إلى سبعة شهور إلى الآن ، وخطة إيران فى الحرب على
عكس خطة الهجوم الخاطف ، وكان ذلك ظاهرا حتى قبل الحرب كلها ، وقبل اغتياله فى أول
ساعات الحرب ، كان القائد الأعلى الإيرانى الراحل "على خامنئى" يقول ، أن
أى هجوم خاطف علينا لن يلقى ردا خاطفا ، وأن خطة إيران هى رفع تكلفة الحرب على عدوها
، وتوسيع نطاق الاشتباك فى الجغرافيا وإطالته فى الزمن ، وهذا ماجرى بالضبط ، رغم رحيل
"خامنئى الأب" وتولى نجله "مجتبى" مكانه ، ومع فارق محسوس ، هو
أن النظام الإيرانى صار أكثر جرأة ومخاطرة ، وانتقل إلى المعنى الهجومى ، لا الاكتفاء
بالردع الدفاعى .
وقد عاد "ترامب" بعد طول مدى الحرب
إلى البدايات ، وصار أكثر شغفا بطاعة "نتنياهو" وتلبية طلباته ، ووافقت إدارة
"ترامب" على صفقة أسلحة عاجلة لكيان الاحتلال بقيمة تقارب ثلاثة مليارات
دولار ، أخطر ما فيها 40 ألف قنبلة من الوزن الثقيل ، تزن كل قنبلة طنا ، تحتاجها "إسرائيل"
لمعاودة ومواصلة حروب دمار وإبادة جماعية فى "غزة" وفى "لبنان"
، ويعد "نتنياهو" بتجديد حربه رسميا على إيران ، وكأن "ترامب"
يبحث عن مخرج لحربه الخاسرة على "إيران" ، وقد يعاود تكليف "نتنياهو"
بأداء الدور البديل ، والجلوس فى مقعد القيادة من الخلف.
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق