• اخر الاخبار

    الجمعة، 14 أغسطس 2026

    عندما يصبح البيت مسرحًا للجريمة.. هل فقدنا أمان الأسرة؟..بقلم :ابراهيم شرف

     


    لم تعد أخبار الجرائم التي نسمع عنها كل يوم مجرد حوادث عابرة تنتهي بخبر في صفحات الحوادث، بل أصبحنا أمام ظاهرة أكثر خطورة: جرائم تحصد أرواح أسر كاملة، وتحوّل البيوت التي يفترض أن تكون أكثر الأماكن أمانًا إلى مسارح للدماء.

    وخلال الأيام الأخيرة، عادت الصدمة بقوة إلى الشارع المصري مع جريمة التجمع التي راح ضحيتها أفراد أسرة كاملة، ثم جريمة مدينة 15 مايو التي أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين، بعدما تحولت جلسة صلح عائلية إلى مأساة دامية.

    المؤلم في هذه الوقائع ليس فقط عدد الضحايا. وإنما طبيعة الجرائم نفسها؛ ففي التجمع لم يكن الضحايا شخصًا واحدًا، وإنما أسرة كاملة، وفي 15 مايو سقطت الابنة إلى جانب ثلاثة من أقارب طليقها بينما كان اللقاء في الأصل محاولة لإنهاء خلافات أسرية وإعادة الهدوء إلى بيت متصدع.

    وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام السؤال الأصعب: ماذا يحدث للمجتمع؟

    هل أصبحت الخلافات الأسرية والاجتماعية أسرع من قدرتنا على احتوائها؟ هل أصبح الغضب أقوى من العقل؟ وهل أصبح السلاح وسيلة لحسم الخلافات بدلًا من الحوار والقانون؟

    الأخطر أن الأمر لا يتعلق بجريمة واحدة أو منطقة واحدة. ففي مدينة 15 مايو نفسها شهدت الفترة الماضية وقائع قتل أخرى، من بينها جريمة قتل أب على يد ابنه بسبب خلاف على مبلغ لا يتجاوز 100 جنيه، وهي واقعة تكشف إلى أي مدى يمكن أن يصل الانفجار حين يفقد الإنسان القدرة على السيطرة على غضبه.

    وبعيدًا عن تحديد المسؤولية الجنائية في كل واقعة، وهي مهمة النيابة والقضاء، فإن تكرار هذه المشاهد يستحق وقفة مجتمعية حقيقية.

    فالجريمة لا تقتل الضحية وحدها؛ إنها تقتل أسرة بأكملها نفسيًا، وتترك أطفالًا بلا أب أو أم، وأمهات وآباء يحملون الفاجعة بقية العمر، وتحوّل عائلات كانت تعيش حياة طبيعية إلى أسر منكوبة.

    والأكثر إيلامًا أن حصيلة الأرواح التي نفقدها في بعض الوقائع المتتابعة خلال أيام قليلة أصبحت تثير شعورًا بأننا أمام خسائر بشرية تشبه ما نراه في بعض الدول التي تعيش حروبًا وصراعات مسلحة، مع فارق جوهري: أن هؤلاء الضحايا يسقطون داخل بيوتهم، وبين جيرانهم وأقاربهم، وفي مجتمع يفترض أن يكون آمنًا.

    لكن المقارنة هنا ليست رقمية ولا تعني أن مصر تعيش حربًا، وإنما هي صرخة في وجه ظاهرة يجب ألا نعتاد عليها.

    لا يجوز أن يصبح خبر مقتل أسرة كاملة خبرًا عاديًا في نشرات الأخبار، ولا أن تتحول صور الضحايا إلى مجرد أرقام في صفحات الحوادث.

    نحن بحاجة إلى مواجهة الأسباب قبل أن نكتفي بعقاب النتائج: نشر ثقافة الحوار، سرعة التدخل في النزاعات الأسرية، مواجهة انتشار الأسلحة، الاهتمام بالصحة النفسية، وعدم الاستهانة بتهديدات العنف أو مؤشرات الانهيار داخل الأسر، إلى جانب تطبيق القانون بحسم على كل من يهدد حياة الآخرين.

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس فقط زيادة الجريمة، وإنما أن يعتاد الناس عليها.

    فالبيت الذي يتحول إلى مكان للجريمة، والأسرة التي تتحول في لحظة إلى قائمة من الضحايا، ليست مجرد قصة في صفحات الحوادث؛ إنها رسالة إنذار لنا جميعًا.

    لقد أصبح من الضروري أن نسأل: كم روحًا أخرى يجب أن نفقد قبل أن نتعامل مع انتشار العنف باعتباره قضية مجتمع بأكمله، وليست مجرد حوادث فردية؟

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: عندما يصبح البيت مسرحًا للجريمة.. هل فقدنا أمان الأسرة؟..بقلم :ابراهيم شرف Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top