لم تعد القضية
مجرد رجل انتحل صفة قاض، وارتدى وشاح العدالة، وتجول في أروقة إحدى أكبر محاكم مصر
وكأنه أحد رجالها. فهذه الواقعة، على غرابتها، ليست سوى مرآة عاكسة لمرض أعمق يسكن
المجتمع، مرض اسمه "عبادة المظاهر"، حتى أصبح المثل الشعبي القديم:
"الفاضي يعمل قاضي" حقيقة نراها بأعيننا لأول مرة بهذا الوضوح.
العجيب ليس
أن عاطلا عن العمل امتلك جرأة ارتداء ثوب القضاء، وإنما أن المجتمع كله صدق المشهد،
وصفق له، وبارك له، وكتب له عبارات التهنئة والإشادة، وكأن الصورة أصبحت شهادة، والبدلة
أصبحت مؤهلا، والمظهر أصبح دليلا على الحقيقة.
لقد تحولنا
إلى مجتمع يحكم بالعين قبل العقل، وباللقب قبل الكفاءة، وبالصورة قبل الحقيقة.
وللأسف،
لم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على هذا "القاضي المزيف". فكم من شخص ليس معلما،
ومع ذلك يملأ الدنيا دروسا خصوصية! وكم من شخص لم يدرس الإعلام يوما، يتصدر الشاشات
والفضائيات، ويقدم نفسه خبيرا ومحللا وإعلاميا! وكم من شخص لم يدخل كلية الهندسة أصلا،
يناديه المجتمع بكل فخر "يا باشمهندس". بل إن المقاول، بمجرد أن يشرف على
بناء عمارة، يصبح في أعين الناس مهندسا، وكأن الألقاب تمنحها المجالس لا الجامعات.
اذهب إلى
أي وحدة مرور لاستخراج رخصة قيادة، وسترى بعينيك كيف يتحرك بعض السماسرة وأصحاب النفوذ
غير الرسمي بحرية أكبر من بعض الموظفين، بل أحيانا وكأنهم أصحاب المكان. الجميع يعرفهم،
والجميع يراهم، والجميع يتعامل معهم باعتبارهم أمرا واقعا. إنها ثقافة قبول الخطأ حتى
يصبح عادة، ثم يتحول إلى جزء من النظام.
#يا_سادة؛
القضية إذن ليست قضية نصاب فقط، وإنما قضية مجتمع اعتاد أن يمنح الثقة بلا تحقق، وأن
يصدق المظاهر دون بحث، وأن يخضع أحيانا لمن يملك الجرأة على الادعاء أكثر ممن يملك
الحقيقة.
ما زال العقل
يعجز عن استيعاب حجم الجرأة التي عاش بها هذا الرجل. دخل المحكمة، وارتدى وشاح القضاة،
والتقط الصور والفيديوهات، ونشرها على الملأ، ولم يهتز له جفن. والأدهى أن المحيطين
به لم يشكوا فيه، بل هنأه بعضهم على "الترقية"، وأشاد آخرون بأخلاقه، وتحدثوا
عن ثقة المسؤولين فيه، وكأن الكذبة كلما تكررت أصبحت حقيقة.
إن النصاب
لا ينتصر لأنه الأذكى، بل لأنه يعرف جيدا نقطة ضعف المجتمع. يعرف أن كثيرين لا يسألون،
ولا يدققون، ولا يتحققون، وإنما يكتفون بالصورة والهيبة واللقب. ولذلك استطاع أن يجعل
من الصور رأس مال، ومن الوهم تجارة، ومن الثقة العمياء وسيلة لجمع الأموال واستغلال
البسطاء.
المؤلم أن
القضية كشفت عن أزمة وعي قبل أن تكشف عن ثغرة أمنية. فالوعي هو خط الدفاع الأول، وإذا
انهار، فلن يكون مستغربا أن نجد غدا طبيبا مزيفا، أو ضابطا مزيفا، أو أستاذ جامعة مزيفا،
أو أي صاحب لقب مزيف، طالما أن المجتمع لا يسأل: من أنت؟ وما مؤهلك؟ وما دليلك؟
إننا بحاجة
إلى ثورة حقيقية على ثقافة الألقاب الزائفة، وعلى الانبهار بالمظاهر، وعلى التصديق
المجاني. فالأمم لا تبنى بالوجاهة المصطنعة، وإنما بالكفاءة والصدق واحترام التخصص.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرقنا جميعا؛ هل سقط القاضي المزيف وحده.. أم كشف سقوطه
عن مجتمع سمح للزيف أن يرتدي ثوب الحقيقة؟
إنها ليست
حكاية رجل ادعى القضاء.. إنها حكاية مجتمع، إذا لم يراجع نفسه، فقد يستيقظ يوما ليكتشف
أن الزيف لم يعد استثناء، بل أصبح قاعدة.

0 comments:
إرسال تعليق