• اخر الاخبار

    الجمعة، 6 نوفمبر 2026

    احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:حين يصبح العفو جرحا جديدا.. من ينصف طفلين غابا قبل أن يعرفا الحياة؟

     

     


    منذ أن عرف الإنسان معنى الأسرة، ظلت الأم رمزا للأمان، والحضن الأول الذي يهرب إليه الطفل من قسوة الدنيا، وظل الأب عنوانا للحماية والسند، وكانت صلة الدم أقوى من كل خلاف، وأسمى من كل خصومة.لكن يبدو أن الزمن يحمل إلينا أحيانا حكايات تعجز الكلمات عن استيعابها، ووقائع تجعلنا نعيد النظر في كثير من المسلمات التي نشأنا عليها؛ فليس كل ما يحدث داخل جدران الأسرة يمكن أن نطلق عليه خلافا عائليا، وليس كل تنازل يمكن أن نصفه بالتسامح، وليس كل عفو دليلا على الحكمة.خلال هذه الأيام ؛تابع المجتمع المصري بذهول واقعة طفلي الصف، اللذين أودت مادة الكلور بحياتهما، في جريمة تتهم فيها الجدة وشقيقتها وابنتها، وفقا لما ورد في التحقيقات وأوراق القضية، وسط تفاصيل مؤلمة تشير إلى أن الخلافات العائلية قد تتحول، حين يغيب الضمير، إلى مأساة لا يمكن تصورها.

    لكن الصدمة لم تتوقف عند حدود الجريمة، فقد شهدت جلسة محاكمة المتهمات تطورا أكثر إثارة للجدل، بعدما أعلن والد الطفلين التصالح والتنازل عن حقوقهما في الدعوى، في مشهد جمع بين دموع وأحضان، بينما ظل السؤال الأكبر معلقا في وجدان كل من تابع القضية: أين يذهب حق طفلين لم يعد لهما صوت يدافع عنهما؟وهنا لا بد أن نتوقف أمام سؤال بالغ الأهمية؛ هل يجوز شرعا أن يتنازل الأب عن حق طفليه في القصاص أو المطالبة به؟الإجابة أن الشريعة الإسلامية أجازت العفو عن القصاص من حيث الأصل، وجعلت لأولياء الدم حق الاختيار بين القصاص والعفو إلى الدية أو العفو دون مقابل، لكن العفو ليس واجبا، كما أنه لا يمنح أحدا حق إسقاط حقوق الآخرين، ولا يعني بالضرورة سقوط حق المجتمع في المحاسبة والعقاب.

    وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن التنازل عن القصاص لا يستلزم سقوط حق الدولة في توقيع العقوبة التعزيرية إذا اقتضت المصلحة ذلك.إذن، نحن لسنا أمام سؤال عن جواز التسامح فقط، وإنما أمام سؤال أعمق: هل كل عفو في محله؟ وهل من حق الإنسان أن يتنازل عن قضية تتعلق بأرواح أطفال كانوا أمانة في أعناق الجميع؟

    إن الإسلام الذي أوصانا ببر الوالدين لم يغفل حرمة النفس الإنسانية، ولم يجعل صلة الرحم مبررا للعدوان أو ستارا للجريمة. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.

    ونحن نسمع كثيرا عن عقوق الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، ونقرأ عن صور الجحود ونكران الجميل، لكننا قلما نتوقف أمام صورة أخرى أشد إيلاما؛ جحود بعض الآباء والأمهات لأمانة الأبناء، وقسوة من يفترض أنهم مصدر الحنان والحماية.

    فهل وصلنا إلى زمن أصبح فيه الطفل ضحية خلافات الكبار، يدفع حياته ثمنا لغيرة أو انتقام أو خصومة عائلية؟

    إن الأمومة ليست مجرد رابطة بيولوجية، والأبوة ليست مجرد لقب يحمله الإنسان، بل هما مسؤولية ورحمة وضمير. ومن يعتدي على طفل أو يعرّض حياته للخطر يهدم المعنى الإنساني الأسمى للأسرة، قبل أن يهدم حياة إنسان بريء.

    أما الزوجة، التي فقدت طفليها في هذه المأساة، فإن أي حديث عن مطالبتها بالطلاق، إن صح ما تردد بشأنه، لا ينبغي أن يختزل في خلاف زوجي عابر؛ فنحن أمام أم تحمل جرحا لا يندمل، وقد ترى في تنازل زوجها عن القضية صدمة جديدة تضاف إلى صدمة فقدان طفليها. ومن حقها أن يكون لألمها صوت، وأن تسمع وجهة نظرها، دون أن نصدر أحكاما على تفاصيل حياتهما الخاصة.

    والأخطر من الواقعة ذاتها هو أثرها على المجتمع.

    فحين يرى الناس أن الدم يمكن أن يصبح موضوعا للتصالح العائلي، دون إدراك للفارق بين الحق الخاص والحق العام، وحين يشعر الضحايا المحتملون بأن صلة القرابة قد تتحول إلى مظلة تحجب المحاسبة، فإننا نكون أمام خلل في الوعي المجتمعي يحتاج إلى وقفة جادة.

    إن التسامح قيمة عظيمة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإهدار حقوق الضعفاء، ولا يجوز أن يصبح شعارا لتبرير الصمت عن الجرائم. فالعدالة ليست انتقاما، والمحاسبة ليست قسوة، وحماية المجتمع لا تتعارض مع الرحمة.

    كما أن هذه القضية تضع الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية أمام مسؤولية كبيرة في ترسيخ ثقافة احترام الحياة، ونبذ العنف الأسري، وتربية الأجيال على أن الخلاف لا يبرر الانتقام، وأن الأطفال ليسوا أوراق ضغط في صراعات الكبار.

    #في_النهاية_بقى_أن_اقول؛، ستظل هذه الحكاية واحدة من أكثر الحكايات إيلاما؛ لأن ضحيتها طفلان لم يعرفا من الدنيا إلا بدايتها، ولم تتح لهما الفرصة ليكبرا أو يحلما أو يكتبا حكايتهما بأيديهما.

    قد يتصالح الكبار، وقد تتصافح الأيدي، وقد تنتهي الخصومات بين أصحابها، لكن من يعيد طفلين إلى الحياة؟ ومن يمسح دموع أم فقدت فلذتي كبدها؟ ومن يمنح المجتمع ضمانة ألا تتكرر المأساة؟

    نحن لا نصادر حق أحد في العفو، ولا ندعو إلى الانتقام، لكننا نؤكد أن الرحمة لا تعني تعطيل العدالة، وأن صلة الدم لا ينبغي أن تكون أقوى من حرمة الدماء.

    فإذا كان العفو حقا، فالعدالة مسؤولية، وإذا كانت الأمومة فطرة، فالرحمة واجب، وإذا كان الأطفال أمانة، فإن التفريط في حقهم ليس شأنا عائليا خاصا، بل قضية مجتمع بأكمله.

    رحم الله الطفلين، وألهم أمهما الصبر، وحمى أطفالنا من قسوة القلوب قبل قسوة الأيام.

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:حين يصبح العفو جرحا جديدا.. من ينصف طفلين غابا قبل أن يعرفا الحياة؟ Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top