• اخر الاخبار

    الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

    احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن:من يملك الكاميرا.. هل أصبح صحفيا..؟!

     

     


    المشكلة ليست في التكنولوجيا، ولا في أن يخرج شاب أو فتاة إلى الناس بمحتوى مفيد، فالعالم يتغير، والإعلام الرقمي أصبح واقعا لا يمكن تجاهله. المشكلة في الخلط بين الشهرة والقيمة، وبين عدد المتابعين والقدرة على صناعة الوعي، وبين امتلاك كاميرا وامتلاك أدوات المهنة.

    لقد أصبحت بعض منصات التواصل أشبه بسوق مفتوح، تتجاور فيه المعرفة مع الخرافة، والمعلومة مع الشائعة، والمحتوى الهادف مع مشاهد لا تحمل من الرسالة سوى ابتذالها.

    هناك مَن يقف أمام الكاميرا ليقدم علما أو ثقافة أو فنا أو تجربة إنسانية تستحق التقدير، وهناك مَن يحول مطبخه إلى استوديو يومي، ويقدم مشاهد استعراضية وإيحاءات مبتذلة، وهناك مَن لا يملك من أدوات التأثير سوى الصراخ والمشاجرات وافتعال الأزمات، ثم يجد مئات الآلاف يتابعونه، لا إعجابا بما يقدم، وإنما بحثا عن جرعة هروب مؤقت من ضغوط الحياة وأعبائها.

    فهل كل هؤلاء يستحقون أن يكونوا على مائدة واحدة باعتبارهم شركاء في صناعة الوعي؟

    وبشيء من التندر، كان من الممكن أن تتسع الدعوات لتشمل كل مَن جعل من المطبخ مسرحا يوميا للاستعراض، وكل مَن حوّل صفحته إلى معرض للتفاهة، وكل مَن اكتشف أن طريق الشهرة لا يحتاج إلى علم أو ثقافة، وإنما إلى كاميرا وجمهور مستعد لمنح وقته لأي شيء!

    لكننا هنا لا نحاكم الأشخاص ولا ننتقص من أصحاب المحتوى المحترم، وإنما نتساءل عن المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار مَن يجلسون لمناقشة مستقبل الإعلام، وعن الفارق بين التأثير الجماهيري والمسؤولية المهنية.

    الصحافة لم تمت.. ولكن مَن يتركها تموت؟

    أتذكرون زمن الصحف الورقية؟

    حين كان القارئ ينتظر جريدته، ويبدأ يومه بتصفح عناوينها، وحين كان التحقيق الصحفي قادرا على تحريك المياه الراكدة، وكان المقال يقرأ ويناقش، وكانت الكلمة تحمل وزنا لا تصنعه أرقام المشاهدات.

    كانت هناك أخطاء بالطبع، وكانت هناك صحافة جيدة وأخرى أقل جودة، لكن كانت هناك قواعد مهنية ومؤسسات ومدارس صحفية صنعت أجيالا من الكتاب والمحررين والمحققين.

    ثم جاءت الثورة الرقمية، فتراجعت الصحيفة الورقية، وتقلصت مساحات التوزيع والإعلان، وتغيرت عادات القراءة، وأصبح الخبر يسبق الجريدة إلى الهاتف المحمول.

    كان المطلوب أن نطور الصحافة، لا أن ندفنها تحت ركام المحتوى السريع.

    كان المطلوب أن تتحول المؤسسات الصحفية إلى منصات رقمية قوية، وأن يحصل الصحفي على التدريب والأدوات والتكنولوجيا، وأن تتوافر له بيئة اقتصادية تحمي استقلاله المهني، وأن تستعيد الصحافة جمهورها من خلال المصداقية والسرعة والعمق.

    وكان المطلوب أيضًا أن تضطلع الجهات المعنية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، كل في اختصاصه، بدور أكثر فاعلية في تطوير المنظومة ومواجهة الفوضى الرقمية.

    أما أن ينشغل المشهد العام بأرقام المتابعين، بينما لا يجد الصحفي الشاب إجابة عن سؤال مستقبله المهني، فهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش.

    الخطر الحقيقي.. ماذا يتعلم شبابنا؟

    إن أخطر ما في المسألة ليس اجتماعا عقد، ولا صورة التقطت، ولا حتى تصريحا أثار الجدل؛ وإنما الرسالة التي قد تصل إلى الأجيال الجديدة.

    ماذا نقول لطالب يجتهد في دراسته، ويتعلم اللغة والتحرير والتحقيق الصحفي، حين يرى أن طريق الوصول إلى الجمهور قد يبدو أقصر بكثير لمن يمتلك هاتفا وصفحة ومتابعين؟

    وماذا نقول للشباب حين تصبح الشهرة معيارا للنجاح، بصرف النظر عن القيمة التي يقدمها صاحبها؟

    إننا بذلك نخاطر بتأسيس ثقافة تخلط بين الانتشار والتأثير، وبين التريند والإنجاز، وبين إثارة الجدل وصناعة المعرفة.

    والأمة التي تمنح الضجيج مساحة أكبر من المعرفة، لا ينبغي أن تتعجب حين تجد أجيالا تتعامل مع المعلومة باعتبارها مادة للتسلية، ومع الرأي باعتباره صرخة، ومع الاختلاف باعتباره معركة.

    إن الشباب لا يحتاجون إلى مزيد من نماذج الشهرة السريعة بقدر احتياجهم إلى نماذج النجاح الحقيقي؛ إلى العالم الذي يبحث، والصحفي الذي يتحقق، والمعلم الذي يبني، والكاتب الذي يفكر، وصانع المحتوى الذي يحترم عقل جمهوره.

    #رسالة_إلى_المسؤولين..

     لا تجعلوا اللقطة تسبق الرسالة

    يا دكتور ضياء رشوان، إن تاريخك الصحفي وموقعك السابق نقيبا للصحفيين يضعان على عاتقك مسؤولية مضاعفة في إدارة هذا الملف.

    لسنا ضد الاستماع إلى صناع المحتوى، ولسنا ضد الاعتراف بأنهم أصبحوا جزءا من المشهد الإعلامي، لكننا ضد أن يتحول الاعتراف بوجودهم إلى خلط بين المهن، أو أن يشعر الصحفي بأن مؤسسته التي أفنى عمره في خدمتها أصبحت آخر مَن يلتفت إليه.

    وإذا كان الاجتماع، وفق ما أعلنته الوزارة، جزءا من سلسلة لقاءات شملت مختلف أطراف المنظومة الإعلامية، فإن المطلوب الآن هو أن تتحول هذه اللقاءات إلى برنامج عمل واضح، لا أن تبقى مجرد مشاهد وصور وعناوين صحفية.

    نريد أن نرى خطة حقيقية لإنقاذ الصحافة الورقية، ودعم الصحافة الرقمية، وتوفير المعلومات للصحفيين، وتدريب الكوادر الشابة، وحماية حقوق الملكية الفكرية، ووضع قواعد مهنية واضحة لصناعة المحتوى، ومحاسبة مَن يتعمد نشر الشائعات أو الإساءة أو التضليل وفق القانون.

    ونريد أن نرى مؤسسات الدولة تكرم أصحاب الفكر والإبداع والبحث العلمي، وتمنح الصحفي الجاد مكانته، وتفتح أبوابها أمام أصحاب الكلمة المسؤولة.

    فليس كل مشهور قدوة، وليس كل صاحب ملايين المتابعين صاحب رسالة، وليس كل من يجيد الوقوف أمام الكاميرا جديرا بأن يكون نموذجا يحتذيه الشباب.

    #فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ طوبى للكلمة حين تجد من يحميها

    أبها السادة المسؤولين..

    إن الدولة لا تقاس فقط بعدد اللقاءات التي تعقدها، ولا بعدد الصور التي تتصدر مواقع التواصل، وإنما بما تتركه هذه اللقاءات من أثر في وعي الناس ومستقبل أبنائهم.

    لسنا في معركة بين الصحفي والبلوجر، ولا ينبغي أن تتحول المسألة إلى صراع على مقاعد الشهرة، وإنما نحن أمام سؤال أكبر: أي إعلام نريد لمصر؟ إعلاما يبني العقول أم إعلاما يطارد المشاهدات؟ إعلاما يحترم عقل المواطن أم إعلاما يساوي بين الحقيقة والضجيج؟

    إننا لا نطلب إقصاء أحد، وإنما نطلب وضع كل إنسان في مكانه الصحيح، وأن تكون الكفاءة والمهنية والمسؤولية هي معيار التقدير، لا عدد المتابعين وحده.

    فالكلمة أمانة، والصحافة ليست مجرد مهنة لإنتاج الأخبار، بل ذاكرة وطن وضمير مجتمع وشاهد على التاريخ.

    وإذا كان من حق صانع المحتوى أن يجد مَن يستمع إليه، فمن حق الصحفي أيضا ألا يجد نفسه مضطرا إلى الدفاع عن قيمة مهنته أمام من لم يعرفوا من الإعلام سوى شاشة الهاتف.

    طوبى لأصحاب الكلمة الصادقة في وطن يحتاج إلى الوعي أكثر من حاجته إلى الضجيج.. وطوبى للجهلاء إن أصبح الجهل طريقا للشهرة، لكن الخسارة حين يصبح الوعي نفسه ضيفا ثقيلا على موائد المسؤولين!

    ولله الأمر من قبل ومن بعد.

     

    الخبر التالي
    هذا اخر خبر
    رسالة أقدم
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن:من يملك الكاميرا.. هل أصبح صحفيا..؟! Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top