• اخر الاخبار

    الجمعة، 30 أكتوبر 2026

    العراق على مفترق التاريخ… هل يستعيد الدولة أم يصبح ساحةً لصراعات الآخرين؟ ..بقلم : د.فاتن السامرائي

     


     

    ليس العراق بلداً عابراً في ذاكرة التاريخ، ولا جغرافيا يمكن اختصارها بحدودٍ مرسومة على خرائط السياسة. إنّه بلاد الرافدين، حيث تعلّم الإنسان أن يكتب، وحيث قامت مدنٌ صنعت من الطين حضارة، ومن الماء حياة، ومن الحلم بدايةً لعالمٍ جديد. لكنّ الأوطان التي منحت التاريخ صفحاته الأولى، قد تجد نفسها، بعد قرون، أمام أسئلةٍ قاسية عن حاضرها ومصيرها.

    منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة قبل نحو قرن، ظلّ العراق يتأرجح بين مشروع الدولة وتقلّبات السلطة، وبين تطلّع شعبه إلى الاستقرار وتدخّلات القوى التي رأت فيه أكثر من وطن؛ رأت فيه موقعاً استراتيجياً، وثروةً نفطية، وامتداداً لنفوذها، وبوابةً إلى صراعات المنطقة. وتعاقبت التحوّلات، وتبدّلت الوجوه والشعارات، فيما كان المواطن العراقي يدفع، في محطات كثيرة، ثمن صراعاتٍ لم يختر بداياتها، ولم يكن دائماً قادراً على تقرير نهاياتها.

    واليوم، يقف العراق أمام منعطفٍ جديد. فمع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وانسحاب قواته، لا تنتهي أسئلة السيادة، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً: كيف تستطيع الدولة أن تحمي قرارها الوطني؟ وكيف يمكن أن تتحوّل التعددية السياسية من مساحة للتنافس إلى أساسٍ للشراكة، وأن يصبح السلاح خاضعاً لمؤسسات الدولة، لا عاملاً موازياً لسلطتها؟ ثم كيف يواجه اقتصادٌ يعتمد بدرجة كبيرة على النفط اضطرابات المنطقة، فيما ينتظر المواطن فرص العمل والخدمات والأمان الاقتصادي؟

    إنّ أخطر ما قد يواجه العراق ليس صراعاً واحداً، بل تراكم الأزمات حين تتقدّم الحسابات السياسية على المصلحة العامة، وحين تصبح الدولة ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، بدلاً من أن تكون مرجعاً يحمي الجميع. فالعراق الذي يملك من الموارد البشرية والطبيعية والحضارية ما يؤهّله للنهوض، لا تنقصه الإمكانات بقدر ما يحتاج إلى إدارةٍ رشيدة، ومؤسساتٍ راسخة، وعدالةٍ يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

    ومع ذلك، فإنّ الحديث عن العراق لا ينبغي أن يُكتب بلغة النهايات المحتومة. فالأوطان لا تُختزل في أزماتها، والشعوب ليست أسيرةً دائمة لماضيها. وبين ذاكرة الحروب وإرهاق الأزمات، ما زالت هناك فرصة لبناء دولةٍ لا تستمدّ قوتها من نفوذ الخارج، ولا من توازنات الخوف في الداخل، بل من ثقة مواطنيها، وسيادة القانون، وقدرة مؤسساتها على حماية الحقوق وصون الكرامة.

    إنّ السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العراق سيبقى على الخريطة؛ فالعراق أعمق من أن تمحوه أزمة، وأعرق من أن تختصره مرحلة. السؤال هو: أيّ عراقٍ سيبقى؟ أهو وطنٌ يملك قراره، ويصوغ علاقاته مع محيطه من موقع المصالح المتوازنة، أم ساحةٌ تتبدّل فيها القوى ويبقى شعبه في انتظار الخلاص؟

    عند مفترق التاريخ، لا يحتاج العراق إلى شعاراتٍ جديدة بقدر ما يحتاج إلى معنى حقيقي للدولة؛ دولةٍ يكون فيها الانتماء للوطن أعلى من الولاء للمحاور، والقانون أقوى من السلاح، ومستقبل الأجيال أهم من مكاسب اللحظة. فبلاد الرافدين لا تستحق أن تبقى شاهدةً على تاريخها العظيم فحسب، بل تستحق أن تكون شريكةً في صناعة مستقبلٍ يليق بذلك التاريخ.

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: العراق على مفترق التاريخ… هل يستعيد الدولة أم يصبح ساحةً لصراعات الآخرين؟ ..بقلم : د.فاتن السامرائي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top