"كن جاهزا" ، كلمتان أنهى بهما الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" سلسلة اتصالاته الهاتفية السرية الأخيرة مع رئيس الوزراء "الإسرائيلى" "بنيامين نتنياهو" ، وبحسب موقع "أكسيوس" الأمريكى ووسائل إعلام "إسرائيلية" ، كان "نتنياهو" يلح على استعجال ضوء أخضر من "ترامب" لمعاودة ضرب إيران ، وكان "ترامب" ميالا إلى التريث قليلا ، وتأجيل الضربة الأمريكية "الإسرائيلية" المشتركة إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة فى الثالث من نوفمبر المقبل ، ومفهوم ـ طبعا ـ سبب فروق التوقيت بين "نتنياهو" و "ترامب" ، فرئيس وزراء العدو "الإسرائيلى" ، كان يرى فى الاستعجال فائدة انتخابية متوقعة لتحالفه اليمينى الأشد تطرفا وإجراما فى انتحابات "الكنيست" المقررة فى 27 أكتوبر الجارى ، بينما "ترامب" يرى فى الاستعجال خطرا يقوض فرص حزبه "الجمهورى" المتداعية أصلا فى الانتخابات النصفية ، لكن الرواية كلها تؤكد اتفاق الطرفين على ما هو أهم ، وهو إكمال الاستعداد و"الجاهزية" لإستعادة ما كان صباح 28 فيراير 2026 ، وشن ضربة واسعة مشتركة على إيران ، يسعون لتوريط أطراف عربية فيها ، وإن كانت أطرافا معنية ، لا تبدى استعدادا كافيا لتورط ، كان على الأغلب محور النقاش بين أطراف عربية و"نتنياهو" فى زيارة مريبة لعاصمة عربية عقب انتهاء أعمال الاجتماع الأخير رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة .
وهذه المرة ، لن تكون فى الحرب مفاجأة من أى نوع
، فالهدف ظاهر ، وتحريك القوات الأمريكية وحاملات الطائرات معلوم لإيران ولغيرها ،
وتنسيق القيادة المركزية ومسئولها الجنرال "براد كوبر" مع نظرائه الإسرائيليين
وبعض العرب متواتر ، من اجتماع "المنتجع الألمانى" إلى عواصم المنطقة ، والدوائر
العسكرية الإيرانية أعلنت استعدادها للمواجهة ، بل وربما نيتها فى استباق الهجوم الأمريكى
"الإسرائيلى" ، وتوجيه ضربات لقواعد أمريكا وحشودها البحرية بالذات ، وتطوير
صواريخ "جوالة" مضادة للسفن ، وأحاديث عن إكمال تجارب ناجحة ، وبعون تقنى
مضاف ، ربما تكون الصين وروسيا بادرتا إليه ، إضافة لما بات معلوما من تقارير المخابرات
الأمريكية ووسائل إعلام "واشنطن" الكبرى ، وتواتر نشر معلومات عن إحداثيات
وصور أقمار صناعية دقيقة ، قيل أن بكين وموسكو زودت بها إيران ، وساعدتها على زيادة
مدى صواريخها وسرعاتها ومضاعفة دقتها فى إصابة الأهداف ، إضافة لتحسين وسائل الدفاع
الجوى الإيرانية ، وعلى نحو ما اعترف به الأمريكيون أخيرا ، وأقروا بنجاح إيران فى
إسقاط وتدمير 81 طائرة أمريكية متنوعة ، سواء فى الجو ، أو على أرض القواعد الأمريكية
بالمنطقة ، وقد لا يعترف الصينيون والروس بشئ من عونهم التقنى لإيران ، لكن مصلحة بكين
وموسكو ظاهرة فى إغراق "ترامب" واستنزاف قواته بالمستنقع الإيرانى .
وقد لا تحتاج لأن تكون خبيرا عسكريا أو استراتيجيا
من إياهم ، حتى تدرك أو تتخيل صورة الهجوم الأمريكى "الإسرائيلى" المقبل
، وهدفه تدمير كل شئ فى إيران ، واستعادة تكتيك الاغتيالات الجماعية لقادة النظام الإيرانى
، واستهداف كل البنية التحتية الإيرانية من محطات الطاقة والكهرباء إلى محطات تحلية
المياه ، وقصف الجسور وخطوط السكك الحديدية فى البلد المترامى الأطراف ، وعلى نحو يقارب
جعجعات "ترامب" المتكررة عن محو إيران ، وبهدف معلن صراحة هذه المرة ، هو
إسقاط النظام الإيرانى ، وتفكيك الدولة الإيرانية ذاتها ، وتقديم غطاء جوى مكثف لغزو
إيران بريا ، ومحاولة احتلال جزيرة "خارك" الإيرانية ، وربما موقع "جبل
الفأس" بإنزالات "كوماندوز" ، ودعم تحرك فصائل كردية انفصالية من غرب
وشمال إيران ، وفصائل "بلوشية" من الشرق والجنوب ، وقد اعترف الثرثار "ترامب"
بتقديم شحنات أسلحة ضخمة لفصائل كردية ، وإن اشتكى أن أكرادا آخرين سرقوها ، فيما تبدو
المخابرات الإسرائيلية "الموساد" أكثر دراية وترتيبا للتفاصيل ، وتبدو "إسرائيل"
أكثر نهما لتفكيك إيران ومحوها عن الخرائط ، ربما بأكثر من "ترامب" نفسه
، الذى يريد سلطة مركزية بديلة فى كل إيران ، تعاونه على "شفط" موارد البترول
والغاز الإيرانى ، وعلى نحو ما جرى فى الحالة "الفنزويلية" ، وفى الاتفاق
الأمنى الاقتصادى مع "الدنمارك" ، الذى يمكن أمريكا وحدها من التنقيب واحتكار
موارد جزيرة "جرينلاند" المعدنية والبترولية والغازية .
والنظام "الإسلامى" الحاكم فى إيران
يعرف بالبداهة والمتابعة ذلك كله ، ويناور على جبهة السياسة وتبادل الرسائل ، ويستعد
على جبهة السلاح ، وما من عاقل ، يتوقع أن ينجح الهجوم الأمريكى "الإسرائيلى"
المعد له فى إنجاز أهدافه ، تماما كما لم ينجح فى حملة حرب الأربعين يوما ، أو ما يسميه
الإيرانيون "حرب رمضان" ، وقد أبدت فيها إيران صمودا عسكريا مذهلا ، رغم
وقع مفاجأة اغتيال المرشد الروحى على "خامنئى" وعشرات من القادة العسكريين
الكبار فى أول ساعات الحرب ، ومع هول الصدمة ، نجح النظام الإيرانى فى تبديل قادته
السياسيين والعسكريين بسرعة لافتة ، وجرى انتخاب المرشد الجديد "مجتبى خامنئى"
الأكثر شبابا وتشددا وجرأة ، وتوالت ضربات الرد الإيرانى الصاروخى على قواعد أمريكا
وكيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، وإلى أن جرى التوصل إلى "مذكرة تفاهم"
أمريكية إيرانية بوساطة "إسلام أباد" ، عاد "ترامب" لنقضها ، وشن
ضربات متقطعة ، وصلت إلى ذروتها فى "حرب الأسبوعين" على موانئ الجنوب الإيرانى
وفى "مضيق هرمز" ، وإعادة فرض الحصار البحرى الأمريكى ، واستكماله بفرض حظر
جوى على شركات الطيران الإيرانية ، ومواصلة خطة الخنق والنبذ الاقتصادى لإيران ، ومن
دون أن تبدى "طهران" تراجعا ، سواء فى شروط فتح "مضيق هرمز" طبقا
لمذكرة التفاهم ، أى وقف الحرب ورفع الحصار وإنهاء عقوبات وقيود على تصدير بترول إيران
وفك تجميد أرصدتها المجمدة ، أو فى الموقف من برنامجها النووى ، الذى عاد إليه "ترامب"
على نحو مكثف فى الأسابيع الأخيرة ، وطالب بتفكيكه كليا .
وقد لا تمانع إيران فى إجراء مفاوضات جديدة حول
برنامجها النووى ، وإن كانت راغبة فى ترحيل المفاوضات النووية ، وهى ترفض قطعا تفكيك
منشآتها النووية ، التى أصيبت بأضرار فى ضربات أمريكية سابقة ، لكنها ـ على ما يبدو
ـ لم تتوقف عن العمل نهائيا ، وجرى نقل كمية 450 كيلوجراما يورانيوم مخصبا بنسبة تفوق
الستين بالمئة إلى مكان مجهول ، يعتقد الأمريكيون و"الإسرائيليون" أنه فى
باطن "جبل الفأس" جرانيتى الصخور ، بينما تصمم إيران على حقها المبدئى فى
تخصيب اليورانيوم لأغراض برنامجها السلمى ، وتذويب ومعالجة يورانيوم التخصيب العالى
على أراضيها ، وتمانع فى نقله إلى خارج البلاد ، وقد تبدى تجاوبا محسوبا فيما بعد مع
دور روسى ، ونقل يورانيوم التخصيب العالى إلى روسيا أو إلى الصين ، وعلى نحو ما أوحت
به اتصالات الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" مع الرئيس الأمريكى ، وسبقها
لقاء "بوتين" مع الرئيس الإيرانى "مسعود بزشكيان" على هامش قمة
رابطة الدول المستقلة ، وقيل أن "بوتين" نقل وجهات النظر النووية الإيرانية
إلى "ترامب" ، وهو ما نظر إليه كمحاولة إيرانية لكسب مزيد من وقت الاستعداد
لمواجهة الضربة الأمريكية "الإسرائيلية" المقبلة .
وقد اضطر "نتنياهو" مؤخرا للنزول عند
رغبة "ترامب" وحسابات توقيته ، وأعلن أنه لا ضربة لإيران قبل الانتخابات
"الإسرائيلية" ، فيما حذرت دوائر "إسرائيلية" من احتمالات قيام
إيران بضرب أهداف "إسرائيلية" صبيحة يوم الانتخابات المقررة فى 27 أكتوبر
الجارى ، وهو احتمال قد لا يحدث غالبا ، وإن كان كل شئ واردا ، وقد جرى نشر آلاف الجنود
والخبراء الأمريكيين داخل الكيان "الإسرائيلى" ، ودعم القوات الأمريكية داخل
الكيان بأنظمة دفاع جوى متقدمة ، فالحرب مقبلة مهما تأجلت مواعيدها ، وكل الأطراف تدرك
أن هدف العدو الأمريكى "الإسرائيلى" أبعد من تفكيك المشروع النووى الإيرانى
، وأن الهدف المباشر صار اغتيال وإسقاط النظام الإيرانى فى الحد الأدنى ، وصولا إلى
تفكيك إيران كدولة ودور إقليمى ، وهو ما تواجهه إيران بخطتها الموروثه عن الراحل المغتال
"على خامنئى" ، وقوامها زيادة تكلفة الحرب ، وتوسيعها فى الجغرافيا وإطالتها
فى الزمن ، وهو ما تعتمد فيه إيران على أدوار حلفائها ، وعلى نحو ما تفعله جماعة أنصار
الله "الحوثيين" فى اليمن وجواره منذ أسابيع طويلة .
والخلاصة ، أن ساعة الحرب الأوسع تدق فى عد تنازلى
مرئى ، وأن هدف إسقاط النظام الإيرانى هو العنوان المباشر للهجمة الجديدة ، وهو ما
لن يتحقق غالبا ، فقد سقطت كل الأقنعة ، وبات اللعب على المكشوف وإلى آخر طلقة نيران
، ودعونا ننتظر المكتوب فى ألواح الحرب المحفوظة بتفاصيلها ونهاياتها ، مع إدراك أن
إيران صارت اليوم فى وضع أقوى قياسا لما كانت عليه أحوالها عند بدء الصدام الأخير قبل
نحو ثمانية شهور، ولديها مخزون صاروخى أكثر تطورا وفاعلية ، وحالة التفاف شعبى دفاعا
عن العلم والوطن الإيرانى ، إضافة لتراكم فريد من خبرة مقارعة عدو أوفر سلاحا وأعلى
تكنولوجبا بما لا يقاس ، لكنه لا ينتصر أبدا فى الحروب غير المتناظرة .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق