• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

    عروس السادس من أكتوبر..بقلم: شاعرة الإحساس ..الأميرة شليمار عبد المنعم محمد

     

     


    في السادس من أكتوبر...

    لم يكن الفجر يُطلُّ من مشرقه تلك المرّة،

    بل خرج من خاصرة الماء،

    مرتديًا جلال العبور.

    كان النيل يخفي في زرقة مائه

    سرًّا قديمًا،

    حتى إذا جاءت لحظة المجد

    تحوّل الماء جسرًا،

    تبدّل وجه الضفة

    من انتظارٍ طويل

    إلى انتصار.

    تشقّق وجه المستحيل.

    خرج الرجال من قلب القناة

    كأن الأرض

    استدعت أبناءها من الصمت،

    كأن الطين الذي احتفظ بخطواتهم

    كان يعرف منذ البدء

    أن هؤلاء

    لم يُخلقوا للانحناء.

    أيُّ سرٍّ أودعتِه

    في طين هذا الجندي،

    يا مصر،

    حتى إذا مسّه الخطر

    خرج من دمه

    مجرّةٌ من الكبرياء؟

    أيُّ نداءٍ كان يهبط على القلوب،

    فيجعل الموت

    أصغر من أن يرهبها؟

    خلف كل خطوة

    حياةٌ مؤجّلة،

    خلف كل بندقية

    أمٌّ تخبّئ دعاءها

    في أعمق مواضع القلب،

    خلف كل شهيد

    سماءٌ تتهيّأ

    لاستقبال اسمٍ جديد.

    كانت سيناء

    امرأةً من رمل،

    تُخفي في ذاكرتها

    أسماء الذين عبروا

    ولم يعودوا.

    تصغي إلى وقع الخطى

    كما تصغي أمٌّ

    إلى نبض ابنها

    حين يعود من الغياب.

    مرّ الدم فوق الرمل

    فلم يثقل ترابها،

    بل أنبت في جبينها

    نخيلًا من الكبرياء.

    كل قطرة

    كانت تكتب للوطن

    سطرًا لا تمحوه السنون،

    حتى بدا المجد

    كأنه خرج من جرح الأرض

    فاستوى رايةً

    فوق سمائها.

    لم تخرج مصر من الدخان

    بجسدٍ نجا من المعركة فقط؛

    خرجت تستردُّ

    مرآة روحها.

    عرفت يومها

    أن الانحناء

    ليس قدرًا،

    أن الجرح

    قد يكون الباب السري

    الذي تعبر منه الكرامة

    إلى الضوء.

    كان أكتوبر

    يطلق من قفص الانتظار

    طائرًا مصريًّا،

    يحمل في جناحيه

    لون الوطن،

    يحلق فوق القناة

    كأن السماء نفسها

    صارت فضاءً لرايته.

    في ذلك اليوم

    صمت التاريخ قليلًا؛

    فبعض الأيام

    لا تحتاج إلى حبر،

    لأنها تُكتب

    بما هو أبقى من الحبر:

    بالروح،

    بالدم،

    بذاكرة وطن

    رفض أن يُهزم.

    يا مصر...

    خرجتِ من قلب المعركة

    امرأةً مكتملة الكبرياء؛

    رايتكِ في مهبّ السماء

    خصلةٌ من شعركِ،

    النيل عند عنقكِ

    عقدٌ من زرقةٍ لا تنحني،

    سيناء في صدركِ

    جوهرةٌ استعادت بريقها

    بعد غياب.

    في ترابكِ

    أسماءٌ كلما ناداها الزمن

    أجابته الأرض.

    في سمائكِ

    أرواحٌ لم تغب،

    بل تحوّلت إلى نجوم

    تهدي خطى العابرين

    نحو الوطن.

    سلامٌ على الذين

    عبروا الماء

    ولم يعبروا من ذاكرة مصر.

    سلامٌ على أمٍّ

    أبقت اسم ابنها

    بين يدي الدعاء،

    كأنها تعرف

    أن الشهداء لا يغيبون،

    بل يغيّرون موضعهم

    من الأرض

    إلى القلب.

    سلامٌ على سيناء

    حين فتحت ذراعيها

    لأبنائها،

    احتضنت خطاهم،

    حفظت أسماءهم

    في رملها المقدّس.

    يا مصر...

    حين وقفتِ أمام التاريخ

    لم تكوني صفحةً

    في كتاب الأمم؛

    كنتِ اليد

    التي تكتب الصفحة

    حين يعجز التاريخ عن الكتابة.

    ثلاثةٌ وخمسون عامًا

    مرّت على ليلة زفافكِ،

    ما زال ثوبكِ

    مضيئًا كأن المطر

    غسله للتوّ من غبار المعركة.

    ما ذبلت وردة المجد

    على جبينكِ،

    ما انطفأت شمعة

    في قصر انتصاركِ.

    كلما عاد أكتوبر،

    عاد معه ذلك الفجر

    الذي خرج من الماء،

    استردّت القناة صوتها،

    فتحت سيناء

    دفترها القديم

    وقرأت أسماء الذين

    كانوا مهر العبور.

    يا عروس السادس من أكتوبر...

    كان مهرُكِ أرواحًا،

    تاجُكِ راية،

    شمسُكِ تعرف

    أن المجد لا يُهدى،

    بل يُنتزع

    حين تقف الأمة

    بكامل قامتها.

    قولي للتاريخ:

    أنا مصر.

    عبرتُ المستحيل

    حتى صار جسرًا،

    دخلتُ ليل المعركة

    فخرج الفجر

    من بين يديّ.

    لم أكن يومًا

    رقمًا في دفتر الحروب،

    كنتُ وطنًا

    إذا جُرح

    أنبت من جرحه

    كرامة.

    إن غاب أبنائي

    عن أرض المعركة،

    عادوا إليها

    نجومًا لا تغيب.

    إن حاول الزمن

    أن يطوي حكايتي،

    وجد اسمي

    أعمق من النسيان.

    أنا التي

    علّمت الرمل

    كيف يحفظ أسماء الرجال،

    علّمت الماء

    أن يحمل وطنًا

    من ضفة الخوف

    إلى ضفة المجد.

    أنا التي

    حين ظنّ المستحيل

    أنه أقام على الأرض،

    جاء أكتوبر

    فأثبت أن إرادة مصر

    أعلى من كل جدار.

    يا مصر...

    يا عروسًا

    لم تنتهِ ليلة عرسها؛

    كلما مرّ عام

    ازداد في عينيكِ

    بريقُها.

    الذين عبروا

    ما زالوا في قلبكِ،

    الذين رحلوا

    ما زالت أرواحهم

    فوق سمائكِ،

    سيناء شاهدةٌ على الدم،

    النيل حافظٌ سرّ العبور،

    أكتوبر موعدٌ لا يشيخ.

    وحين يسأل التاريخ:

    من تكون مصر؟

    يجيبه الرمل،

    يجيبه الماء،

    تجيبه النجوم

    من فوق سيناء:

    مصر هي التي

    إذا ضاق بها المستحيل

    وسّعته إرادتها.

    مصر هي التي

    لا تموت حكايتها

    ما دام في ترابها

    قلبٌ يعرف معنى الوطن.

    هناك،

    حيث يصير الغياب

    حضورًا لا يزول،

    تنهض مصر

    من ذاكرة الشهداء،

    يعلو اسمها

    فوق الزمن.

    هنا أنا...

    هنا مصر...

    هنا عروسُ العالم...

    هنا النصر...

    ولا يموتُ النصر

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: عروس السادس من أكتوبر..بقلم: شاعرة الإحساس ..الأميرة شليمار عبد المنعم محمد Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top