من شقق تُباع لأكثر من شخص، إلى سيارات وهمية وأراضٍ بأسعار خيالية.. من يحمي المواطن من سوق الخداع المفتوح على فيسبوك؟
لم يعد
النصب مجرد حوادث فردية تقع في الخفاء، بل أصبح ظاهرة مقلقة تُمارَس علنًا عبر
مواقع التواصل الاجتماعي، بإعلانات جذابة ووعود براقة وأساليب تتطور يومًا بعد يوم.
تصفح
فيسبوك وستجد إعلانات عن سيارات للإيجار بأسعار مغرية، وأراضٍ بأقل من قيمتها
الحقيقية، وشقق سكنية وعروض تجارية تبدو وكأنها فرص لا تُعوَّض. يبدأ الأمر بإعلان
مقنع، ثم محادثة لبناء الثقة، ثم طلب مبلغ للحجز أو تأكيد الجدية، وما إن تُحوَّل
الأموال حتى يختفي المعلن، ويُغلق هاتفه، وتتحول الفرصة المزعومة إلى كابوس!
الأخطر
أن النصب لم يعد يستهدف جيب المواطن فقط، بل امتد إلى مدخرات العمر وأحلام الأسر.
أرض قد
تكون مباعة من قبل، وشقة قد تُباع لأكثر من شخص، وسيارة يُحصَّل مقدم إيجارها دون
أن تكون متاحة أصلًا. وهناك صفحات تنتحل أسماء شركات، وروابط مزيفة لسرقة
البيانات، وعروض استثمار تعد بأرباح خيالية، وحسابات تستخدم صورًا وتعليقات مصطنعة
لصناعة ثقة زائفة.
المحتال
اليوم لا يحتاج إلى مكتب أو واجهة تجارية؛ قد تكفيه صفحة إلكترونية وصور مسروقة
ورقم هاتف ومحفظة إلكترونية. أما سلاحه الأخطر فهو استعجال الضحية وإغراؤها بسعر
استثنائي، وإقناعها بأن الفرصة ستضيع إن لم تدفع فورًا.
وهنا
يجب أن نتذكر أن الإعلان الممول ليس دليلًا على المصداقية، وكثرة المتابعين لا
تعني الأمانة، وصورة العقد أو البطاقة المرسلة عبر الهاتف لا تثبت وحدها صحة
التعامل.
من يحمي
المواطن؟
لا يكفي
أن نطالب الناس بالحذر، ثم نترك المحتال ينتقل من صفحة إلى أخرى، ومن رقم إلى آخر،
وكأن شيئًا لم يكن.
نحتاج
إلى رقابة أكثر فاعلية على الإعلانات المضللة، وسرعة في فحص البلاغات، وتعاون جاد
بين المنصات الإلكترونية والجهات المختصة، وملاحقة المتورطين، إلى جانب توعية
المواطنين بضرورة التحقق من الملكية والهوية والصفة القانونية قبل دفع أي أموال.
وفي
العقارات تحديدًا، لا ينبغي دفع مبالغ كبيرة قبل مراجعة المستندات والتحقق من
الملكية وحق التصرف لدى مختص موثوق. وفي أي تعامل إلكتروني، يجب الحذر من الروابط
المجهولة وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق.
لسنا ضد
التجارة الإلكترونية، ولا ندعو إلى الشك في الجميع، لكن هناك فرقًا بين الثقة
والاندفاع، وبين اقتناص فرصة حقيقية والسقوط في فخ محكم.
إننا
أمام ظاهرة تهدد الأمن المالي والاجتماعي للمواطن، ولا يجوز أن تصبح خسارة الضحية
هي الدليل الوحيد على جريمة كان يمكن كشفها مبكرًا.
إذا كان
المحتال يطور أدواته كل يوم، فلا بد أن تتطور وسائل مواجهته بالسرعة نفسها.
رسالتنا
للمواطن: لا تجعل استعجالك في اقتناص الفرصة يمنح المحتال فرصة لسرقتك.
ورسالتنا
للجهات المعنية: أموال الناس ليست مجالًا للتجربة، وحماية المواطن لا تبدأ بعد
ضياع مدخرات عمره.
فهل
نتحرك قبل أن يصبح النصب تجارة علنية، ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف في سوق لا
يعرف فيه الصادق من المحتال إلا بعد فوات الأوان؟

0 comments:
إرسال تعليق