لما وضع
الشهيد الملك المؤسس عبد الله الأول لبنات الدولة الأردنية، لم يكن المشروع
الهاشمي مجرد بناء وطن، بل كان تأسيسا لنهج استمد قوته من أصالة الإسلام، فجعل
الاعتدال سياجا للفكر، والوسطية ميزانا للموقف، والكرامة الإنسانية أصلا لا مساومة
عليها
وعلى
امتداد العهود الهاشمية، من الملك المؤسس، مرورا بالملك طلال والملك الحسين بن
طلال، وصولا إلى عهد جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله تعالى، ظل هذا النهج
حاضرا في مواجهة الغلو والتشدد، رافضا اختطاف الدين باسم الدين، ورافضا تحويل
النصوص الشرعية إلى جسر تعبر عليه الكراهية نحو العنف والإرهاب.
لقد
أدرك الهاشميون أن التطرف لا يُهزم بالسلاح وحده، ما لم يُواجَه بالفكر الذي يكشف
زيفه، وبالعلم الذي يصحح انحرافه، وبالعدل الذي يجفف منابع استغلاله.
ومن هنا
كانت رسالة عمّان التي هي إعلان واضح لوسطية الإسلام، ورفض لكل أشكال الغلو
والتطرف والتكفير، وجسدت دور الأردن في الدفاع عن صورة الإسلام الحقيقية، تلك
الصورة القائمة على الرحمة والعدل وصيانة الدماء.
وفي عهد
الملك عبد الله الثاني، تجاوز هذا الدور حدود الوطن، ليحمل الأردن صوت الاعتدال
إلى العالم، داعيا إلى الحوار بين الأديان والثقافات، ليؤكد أن مواجهة الإرهاب
مسؤولية تتكامل فيها قوة الدولة مع قوة الحجة، وأن حماية الإنسان تبدأ بتحرير
العقل من أسر التعصب والتشدد والغلو.
إن
الهاشميين لم يقفوا في وجه التطرف للدفاع عن صورة الإسلام فحسب، بل دفاعا عن جوهره
من أن تزوّره الأهواء، أو تختطفه الجماعات المتطرفة، أو أن تتلطخ باسمه دماء
الأبرياء.
إن ذلك
النهج لا تصنعه الشعارات، بل تثبته المواقف، وتمنحه الشرعية قيم العدل والاعتدال.
وهكذا
يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، شاهدا على أن قوة الأمة ليست في غلوّها، وأن صلابة
الموقف لا تعني التطرف، وأن أعظم الانتصارات هي أن يُصان الدين من التحريف، والعقل
من التضليل، والوطن من الفتنة.
إن
الهاشميين يحملون إرثا لا يكتفي بمقاومة الإرهاب والتطرف فحسب، بل يسعى إلى إبطال
حجته، وكشف زيف خطابه، وإعادة الاعتدال إلى مكانه السليم، فهو قوة تحمي، وحكمة
تهدي، وعدل يجمع ولا يفرّق.

0 comments:
إرسال تعليق