• اخر الاخبار

    السبت، 31 أكتوبر 2026

    لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ..بقلم:د. الكاتب والصحفي والقانوني/أحمد ذيبان أحمد العراقي

     

     


    يفتتح هذا المقال آفاقاً فكرية وإنسانية رحبة مستلهمة من قوله تعالى في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ . لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. تأمر هذه الآية الكريمة المؤمنين وكل إنسان سوي بالاعتناء بالنفس وتزكيتها، والمراد بذلك ملازمة تقوى الله، ولحوم الطاعات، واستقامة الأخلاق، والقيام بالواجبات الدينية والأخلاقية على أكمل وجه. ويُبيّن المولى عز وجل أن العبد المؤمن إذا أقام ما أُمر به من الهداية والاستقامة وأداء الحقوق، فإن ضلال من ضل أو إعراضهم عن الحق لا يضره شيئاً، طالما أنه ثابت على صراط الإيمان؛ فلا يتحمل وزر غيره ولا يُؤاخذ بانحراف سواه إن هو أصلح نفسه وأقام شرع الله في وجدانه. وقد أوضحت التفاسير المعتبرة أن هذه الآية لا تعطل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي صمام أمان المجتمع، بل إن المؤمن مأمور دائماً بنصح الآخرين ودعوتهم للخير بحسب استطاعته بالحكمة والموعظة الحسنة. فإذا قام المسلم بواجبه في النصح والإرشاد، ولم يستجب الطرف الآخر واختار طريق الضلال، فلا حرج على الناصح ولا يضره ذلك الضلال في شيْ، لأن هداية القلوب وتوفيقها بيد الله وحده، وليس للبشر سلطان على الضمائر. وهنا تتجلى الدلالة البليغة بأن الإنسان مكلف بالبلاغ والنصح بالحسنى، وليس وصياً على خلقه ليجبرهم على اتباع الطريق القويم بالقوة أو يزهق أرواحهم تحت غطاء الدين؛ فما خلق الله البشر ليُكرهوا على الاعتقاد. حين يرتحل الإنسان عن هذه الدنيا، ويوارى في حفرة القبر فريداً وحيداً، وتتوقف عنه الألسن وتغادره الخطى، لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. في تلك المحكمة الإلهية العادلة، لن يُسأل العبد: لماذا لم يسلم المسيحي؟ ولماذا لم تُهْدِ اليهودي؟ ولماذا لم تحول الإنسان من مذهب إلى آخر من السني الى الشيعي او الدرزي ولماذا لم تهدي الشيعي الى السني او الصوفي  ؟!! بل يسأله الباري جل وعلا عن أركان دينه وأخلاقه وعمله: عن صلاته، واستقامته، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. يسألك الله عن كل إنسان ظلمته، وكل حق سلبته، ويسألك عن سفك الدماء البريئة لمجرد اختلاف المعتقد أو الدين أو المذهب؛ يسألك  لماذا قتلت المسيحي؟ ولماذا قتلت اليهودي؟ ولماذا أزهقت روح الشيعي أو السني أو الصوفي أو الدرزي لمجرد عدم اتباعه لمنهجك؟ بأي حق تزهق أرواح البشر باسم "الله أكبر" وباسم لا اله الا الله وبأسم  الدين الحنيف، وهو بريء من كل ذلك البراءة المطلقة؟ حين يعتصر القبر الإنسان بجرائم الظلم وسفك دماء الأبرياء بغير حق، حينها لا ينفع الندم، وحينها يواجه العبد عذاباً أليماً بما كان يعمل، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون؛ فإن الله سبحانه وتعالى لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحدا. في المحكمة الربانية الكبرى، ستحاسب على كل جريمة ارتكبتها باسم الدين، وعلى كل طغيان مارسته باسم السلطة السياسية أو الإدارية أو التجارية. ولذا، فإن الحكمة كل الحكمة تكمن في أن تقبل على إصلاح نفسك، وألا تتدخل في حياة الناس ودياناتهم بما ينشر العداوة والبغضاء والحقد تحت ستار الدين. تذكر أنه في ساعة الحساب الكبرى يفر المرء من أبيه وأمه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. عليك بنفسك، قوّم اعوجاجها، وحاسبها قبل أن تحاسب الناس، وكن على يقين بأنه لا يضرك ضلال غيرك إن كنت من المستقيمين الثابتين على الحق. سر واثقاً على ما أمرك الله به ومضى عليه توجيهه القويم: {لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ..بقلم:د. الكاتب والصحفي والقانوني/أحمد ذيبان أحمد العراقي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top