ليست كل
الأحزان دموعا تذرف، ولا كل الفواجع صرخات تملأ البيوت؛ فبعض الأحزان يسكن العيون حائرا،
وبعضها يطرق أبوابنا في هيئة أسئلة لا تجد إجابة، وبعضها يتركنا أمام مرآة نخجل فيها
من أنفسنا، ونتساءل؛ كيف حدث هذا؟ وأين كنا حين كان الخطر ينمو في صمت؟
وحينما اليوم
على شاب متفوق، مهذب، لم يعرفه الناس إلا بالهدوء وحسن الخلق، اقدم على قتل والديه،
تحت زعم أن شخصا أتاه في المنام وطلب منه ذلك أو شاهد حلما، فهذه ليست جريمة تهز أسرة
وحدها، بل فاجعة تستدعي أن نتوقف طويلا أمام ما يجري داخل بعض النفوس، وما قد يختبئ
خلف الوجوه الهادئة من اضطرابات لا نراها، أو آلام لا نعرف عنها شيئا.
#والسؤال؛كيف
يقتل إنسان من كانا سببا في وجوده؟
سؤال موجع،
لكن الإجابة لا يجوز أن تختزل في كلمة واحدة، ولا أن تبنى على الشائعات أو الانطباعات.
فالتفوق الدراسي لا يعني بالضرورة السلامة النفسية، والأدب الظاهر لا يكشف وحده عن
حقيقة ما يدور في العقل والقلب. قد ينجح الابن في امتحاناته، بينما يعجز عن التعبير
عن خوفه، أو ينهار تحت ضغط لا يعرف كيف يواجهه، وقد يبدو مطمئنا أمام الناس، فيما يحتاج
إلى من يسمعه ويفهمه.
أما الزعم
بأن أمرا صدر في المنام، فلا يكفي وحده لتفسير جريمة بهذا الحجم. فالأحلام، مهما بلغت
غرابتها، لا تبرر إيذاء النفس أو الآخرين. وإذا اعتقد الإنسان أن صوتا أو رسالة أو
قوة غامضة تأمره بارتكاب العنف، فقد يكون ذلك مرتبطا باضطراب نفسي يحتاج إلى تقييم
متخصص، وقد تكون هناك عوامل أخرى لا يمكن تحديدها دون فحص دقيق. وليس من العدل أن نشخص
أحدا عن بعد، أو أن نخلط بين المرض النفسي والعنف؛ فالغالبية العظمى ممن يعانون اضطرابات
نفسية ليسوا عنيفين.
لكن المأساة
تفتح أمامنا أبوابا من الأسئلة.. هل كان الشاب يعاني اضطرابا لم يلتفت إليه أحد؟ هل
مر بأزمة نفسية أو ضغوط متراكمة؟ هل تغير سلوكه في الفترة الأخيرة، ولم يجد من ينتبه
إلى ذلك؟ هل كان يخشى الاعتراف بأفكاره ومخاوفه حتى لا يتهم بالضعف أو الجنون؟ أم أن
هناك ملابسات أخرى لا تزال مجهولة؟
إنها أسئلة
تستحق البحث، لا إصدار الأحكام المسبقة. ففهم الأسباب لا يعني تبرير الجريمة، والتعاطف
مع المعاناة لا ينتقص من حق الضحايا في العدالة.
#أبناؤنا..
ليسوا شهادات معلقة على الجدران
لقد اعتدنا
أن نفرح بتفوق أبنائنا، ونفاخر بمجموعهم الدراسي، ونقيس نجاحنا أحيانا بعدد الشهادات
التي يحصلون عليها، لكننا قد ننسى أن وراء كل شهادة إنسانا له مشاعر ومخاوف واحتياجات.
نريد ابنا
متفوقا، لكن هل نمنحه حق التعثر؟ نريده مهذبا، لكن هل نسمح له بأن يعبر عن غضبه؟ نطالبه
بالطاعة، لكن هل نصغي إلى رأيه؟ نريده قويا، لكن هل نحتضنه حين يشعر بالضعف؟
إن البيت
الذي يخشى فيه الابن الاعتراف بأزمته قد يتحول، من حيث لا ندري، إلى مكان يخفي فيه
أوجاعه. والبيت الآمن ليس الذي يخلو من المشكلات، بل الذي يستطيع أفراده الحديث عنها
دون خوف من الإهانة أو السخرية أو العقاب القاسي.
ليس مطلوبا
من الآباء أن يكونوا أطباء نفسيين، لكن المطلوب أن يعرفوا أبناءهم، وأن يلاحظوا التغيرات
المفاجئة في سلوكهم، وأن يفرقوا بين تقلبات المراهقة العادية والعلامات التي تستدعي
الانتباه، وأن يطلبوا المساعدة المتخصصة عندما يعجز الحوار وحده عن احتواء الأزمة.
كيف نحمي
أبناءنا قبل فوات الأوان؟
تبدأ الحماية
من علاقة إنسانية حقيقية، لا من كثرة الأوامر. أن نخصص وقتا للحوار، وأن نسأل أبناءنا
عن مشاعرهم لا عن درجاتهم فقط، وأن نعلمهم أن طلب المساعدة ليس عيبا، وأن اللجوء إلى
الطبيب النفسي لا يعني وصمة أو نقصا في الإيمان أو الأخلاق.وتقتضي المسؤولية أيضا الانتباه
إلى التغيرات الحادة في النوم والسلوك والتفكير، أو الانعزال غير المعتاد، أو الارتباك
الشديد، أو الاعتقادات الغريبة التي تسبب خوفا أو تدفع إلى تصرفات خطرة. فهذه العلامات
لا تعني بالضرورة وجود مرض بعينه، لكنها تستحق التقييم، خاصة إذا صاحبتها أوامر متخيلة
بإيذاء النفس أو الآخرين.وإذا صرح أحد الأبناء بأنه يسمع أصواتا تأمره بالقتل، أو ظهرت
مؤشرات على نية فعلية لإيذاء شخص، فلا يجوز الاكتفاء بالنصح أو الانتظار حتى تمر الأزمة.
يجب تأمين الأشخاص المعرضين للخطر، وعدم تركه منفردا مع من يهددهم، والاستعانة فورًا
بالطوارئ أو بخدمات الصحة النفسية المختصة.كما تقع على المدرسة والإعلام والمؤسسات
الدينية والثقافية مسؤولية نشر الوعي النفسي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم خطاب
يجمع بين الرحمة والعلم، دون تهويل أو تشهير أو تحويل المأساة إلى مادة للفرجة وتبادل
الاتهامات.ويبقى السؤال الذي يؤلمنا جميعا
لسنا أمام
حكاية جريمة فحسب، بل أمام إنذار يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم التربية، وفي المسافة
التي قد تتسع بين الآباء والأبناء دون أن نشعر. فالابن لا يحتاج إلى الطعام والتعليم
وحدهما؛ يحتاج إلى الأمان، وإلى أذن تسمع، وعقل يفهم، وقلب يحتضن، ومجتمع لا يعاقبه
على اعترافه بأنه يتألم.ولا يمكننا الجزم بأن إهمالا أسريا أو ضغطا دراسيا أو اضطرابا
نفسيا بعينه هو الذي أدى إلى هذه الفاجعة، قبل أن تكشف التحقيقات والتقييمات المتخصصة
عن الحقيقة. لكن المؤكد أن حماية أبنائنا تتطلب ألا ننتظر وقوع الكارثة حتى نسأل عن
الأسباب.
رحم الله
كل قلب انكسر أمام فاجعة كهذه، وأنصف الضحايا، وألهم ذويهم الصبر. ولعل أقسى ما في
هذه المأساة أنها تجعلنا نعيد اكتشاف حقيقة غابت عنا طويلا.. أن وراء الأبواب المغلقة
حكايات لا نعرفها، وأن بعض الصمت ليس راحة، وأن التفوق ليس شهادة ضمان ضد الألم.
فى النهاية
بقى أن اقول؛أحزان للبيع؟..لا، فهذه الأحزان لا تباع ولا تشترى، ولا تداوى بكلمات العزاء
وحدها. إنها جرس إنذار في ضمير المجتمع، يطالبنا بأن نربي أبناءنا للحياة، لا للنجاح
وحده؛ وأن نمنحهم القدرة على مواجهة أفكارهم ومخاوفهم، قبل أن تتحول المأساة إلى خبر
جديد، وعنوان جديد، وحزن جديد يضاف إلى قائمة أحزاننا التي لا تنتهي.

0 comments:
إرسال تعليق