• اخر الاخبار

    الجمعة، 30 أكتوبر 2026

    حين يصبح الصمت شاهدًا على الحقيقة..بقلم : ساجدة جبار

     


    ليس كلُّ صمتٍ عجزًا عن الكلام، ولا كلُّ حديثٍ دليلًا على الصدق؛ فبين الكلمات التي تُقال لإخفاء الحقيقة، والصمت الذي يتركها تنكشف وحدها، مسافةٌ لا يدركها إلا من تعلّم قراءة ما وراء المواقف.

    نحن نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات قادرةً على صناعة صورٍ مزيّفة، يستطيع الإنسان من خلالها أن يبدو نقيًّا وهو يُخفي ما يناقض ظاهره، وأن يتحدّث عن المبادئ دون أن يحمل في سلوكه ما يؤكّدها. وفي خضمّ هذا الضجيج، يغدو الصمت أحيانًا موقفًا أكثر بلاغةً من الخطب الطويلة؛ لأنه لا يسعى إلى تبرير شيء، ولا يحاول إقناع أحدٍ ببراءته.

    ثمة لحظاتٌ نكتشف فيها أن الردَّ ليس ضرورة، وأن الدفاع عن أنفسنا أمام كل اتهامٍ استنزافٌ لا يستحق العناء. فبعض المواقف لا تحتاج إلى مواجهةٍ صاخبة، بل إلى مسافةٍ نراقب منها كيف تتكشّف الحقائق، وكيف تتناقض الأقوال مع الأفعال، وكيف يسقط القناع دون أن تمتدّ إليه يد.

    لكن الصمت، في جوهره، ليس فضيلةً مطلقة؛ فقد يكون حكمةً حين يكون الكلام عبثًا، وقد يتحوّل إلى تواطؤٍ حين يُستخدم للتستّر على الظلم أو التهرّب من المسؤولية. لذلك، لا تُقاس قيمة الصمت بطوله، بل بسببه، ولا تُقاس شجاعة الكلام بارتفاع الصوت، بل بقدرته على قول الحقيقة حين يصبح قولها واجبًا.

    إنّ أصعب أنواع الصمت ذلك الذي يأتي بعد خيبةٍ عميقة؛ حين يكتشف الإنسان أن الكلمات التي كان ينتظرها لن تغيّر شيئًا، وأن التفسيرات مهما تعدّدت لن تعيد الثقة إلى موضعها الأول. عندها لا يصمت لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه أدرك أن بعض الحقائق أكبر من أن تُختصر في عتاب، وأن بعض العلاقات تنتهي معنويًّا قبل أن تنتهي في الواقع.

    ومع مرور الوقت، تتكفّل المواقف بما عجزت عنه المواجهات. فالأيام لا تكشف كل شيء دفعةً واحدة، لكنها تمنح التفاصيل الصغيرة فرصةً للظهور، وتضع الأقوال أمام امتحان الأفعال. وحين تتراكم التناقضات، لا يعود المرء بحاجةٍ إلى البحث عن دليلٍ جديد؛ إذ تصبح الصورة أكثر وضوحًا، ويغدو الصمت شاهدًا على حقيقةٍ حاولت الضوضاء طويلًا أن تحجبها.

    ومع ذلك، لا ينبغي أن نجعل الصمت وسيلةً للانتقام أو بابًا للأحكام المتسرّعة؛ فليس كل غيابٍ اعترافًا، ولا كل سكوتٍ إدانة. إنّ الإنصاف يقتضي أن نمنح الحقائق وقتها، وأن نميّز بين ما نعرفه وما نظنّه، لأن الحكمة لا تكمن في الصمت وحده، بل في القدرة على فهم ما يستحق الكلام وما يستحق التجاوز.

    في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى أن يشرح نفسه للجميع، ولا إلى أن يخوض كل معركةٍ تُفرض عليه. يكفيه أن يكون واضحًا مع ذاته، صادقًا في مواقفه، ثابتًا على مبادئه؛ فالحقيقة لا تنتصر دائمًا بسرعة، لكنها تظلّ أقدر على الصمود من رواياتٍ صُنعت لتجميل الزيف.

    وحين يصبح الصمت شاهدًا على الحقيقة، لا يكون المهمّ مَن قال أكثر، بل مَن استطاع أن يبقى صادقًا حين أصبح الكلام وسيلةً لإخفائها

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حين يصبح الصمت شاهدًا على الحقيقة..بقلم : ساجدة جبار Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top