• اخر الاخبار

    الأحد، 4 أكتوبر 2026

    أكتوبر.. حكاية وطن لا تنتهي..الحلقة الثالثة: الجندي المصري.. بطل يعرف طريقه..سلسلة مقالات..يكتبها الكاتب الصحفي: حافظ الشاعر

     

     


     

    لم يكن الجندي المصري في السادس من أكتوبر يبحث عن بطولة تكتب في كتاب..كان يبحث عن شيء أكبر..كان يبحث عن وطن.

    عن أرض يعرفها كما يعرف ملامح أمه، وعن سيناء التي بقيت في القلب حتى وهي بعيدة، وعن علم يريد أن يراه مرفوعا من جديد على أرضه.

    ولهذا، حين جاءت لحظة العبور، لم يكن أمامه سوى طريق واحد..إلى الأمام.

    في الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس على جبهة واسعة، وتمكنت موجات المشاة الأولى من عبور القناة وإنشاء رؤوس كباري على الضفة الشرقية، بينما بدأت أعمال فتح الثغرات في الساتر الترابي وإقامة المعابر لتسهيل تدفق القوات والمعدات.

    لكن الأرقام لا تستطيع وحدها أن تحكي الحكاية.

    فوراء كل رقم كان هناك إنسان.

    جندي حمل سلاحه، وحمل معه خوفا طبيعيا لم يمنعه من أداء واجبه.

    جندي ترك أسرته خلفه، لكنه أخذ صورتها في قلبه.

    جندي عرف أن الطريق أمامه ليس سهلا، وأن الرصاص لا يفرق بين من يحلم بالعودة ومن لا يحلم.

    ومع ذلك...

    تقدم.

    وهنا تكمن عظمة البطولة الحقيقية.

    البطل ليس من لا يخاف.

    البطل هو من يعرف الخوف، ثم يقرر ألا يسمح له بأن يمنعه من أداء واجبه.

    لقد كان العبور عملية عسكرية ضخمة شاركت فيها تشكيلات وأسلحة مختلفة، ولم يكن نجاحها قائما على شجاعة فرد واحد، وإنما على تنسيق وانضباط وتكامل بين عناصر القوات المسلحة. وكانت موجات المشاة الأولى جزءًا أساسيا من بناء رؤوس الكباري وتأمين الأرض اللازمة لاستمرار العبور.

    وهذه هي الرسالة التي نريد أن تصل اليوم إلى جيل Z.

    أنتم تعيشون في زمن مختلف تماما.

    لم تعد المعارك التي تواجهونها هي معارك الخنادق والأسلاك الشائكة.

    لكنكم أمام تحديات أخرى..

    تحدي المعرفة..

    تحدي التكنولوجيا..

    تحدي سوق العمل..

    تحدي الذكاء الاصطناعي..

    وتحدي أن تجد مصر لنفسها مكانا في عالم لا ينتظر المتأخرين.

    وفي هذا العالم، لن ينجح الإنسان الذي يعرف كل شيء وحده.

    سينجح من يعرف كيف يعمل مع الآخرين.

    وهذه واحدة من أعظم دروس أكتوبر.

    الجندي لم يكن يعمل منفردا.

    خلفه مهندس يفتح الطريق.

    وبجواره مقاتل يؤدي مهمته.

    وفوقه قوات جوية تقوم بدورها.

    وخلف الجميع قيادة تخطط وتنسق.

    كل فرد يعرف مهمته...

    وكل مهمة تخدم الهدف الأكبر.

    النصر كان عمل فريق.

    وهكذا تبنى الدول.

    لا يمكن لمبرمج أن يصنع مشروعا عالميا بمفرده دائما.

    ولا يستطيع الطبيب وحده تطوير منظومة طبية متكاملة.

    ولا يستطيع المهندس أن يبني المستقبل منفردا.

    ولا يستطيع الباحث أن يصل إلى إنجاز كبير دون فريق.

    إنها القاعدة نفسها، لكن الأدوات تغيرت.

    في أكتوبر كان هناك فريق يعبر القناة.

    واليوم نحتاج إلى فرق تعبر بنا إلى المستقبل.

    فريق من العلماء..

    وفريق من المهندسين..

    وفريق من المبرمجين..

    وفريق من المعلمين..

    وفريق من الشباب الذين يؤمنون بأن مصر ليست مجرد مكان نعيش فيه، وإنما مسؤولية نحملها.

    يا جيل Z...

    لا تجعلوا الانتماء مجرد صورة تضعونها في يوم الاحتفال.

    الانتماء ليس "بوستا" على مواقع التواصل.

    الانتماء أن تتعلم حين يستطيع غيرك أن يضيّع وقته.

    أن تتقن حين يرضى غيرك بالحد الأدنى.

    أن تبحث حين يكتفي غيرك بنسخ المعلومات.

    أن تتحقق قبل أن تنشر شائعة.

    أن تحترم وطنك حين تختلف، وأن تختلف وأنت حريص على وطنك.

    أن تستخدم التكنولوجيا لتصنع شيئا، لا لتستهلك كل شيء.

    فالجندي المصري في أكتوبر لم يسأل؛

    ماذا سأحصل عليه؟

    بل سأل؛

    ماذا يجب أن أفعل؟

    وهذه الجملة وحدها يمكن أن تغير مستقبل أمة.

    حين يتحول السؤال من؛

    "ماذا ستعطيني مصر؟"

    إلى؛

    "ماذا سأقدم أنا لمصر؟"

    يتغير كل شيء.

    إن جيل أكتوبر حمل السلاح دفاعا عن الأرض.

    أما جيل اليوم فعليه أن يحمل العلم دفاعا عن المستقبل.

    وإذا كان أولئك الرجال قد عبروا قناة السويس تحت النيران، فلا يجوز لنا أن نخاف من امتحان، أو مشروع تخرج، أو تجربة علمية، أو بداية عمل، أو فكرة جديدة.

    قد تكون معركتك مختلفة..

    لكن المطلوب منك هو الشيء نفسه؛

    أن تعرف طريقك، وأن تمضي فيه.

    لا أحد يعرف أين سيصل غدا.

    لكن من المؤكد أن الذين يمشون بلا هدف لن يصلوا بعيدا.

    وهكذا يصبح الجندي المصري في أكتوبر ليس مجرد بطل من الماضي..

    بل معلمًا من الحاضر.

    يقول لنا؛

    خطط.

    تدرب.

    انضبط.

    اعمل مع فريقك.

    ثق في نفسك.

    ولا تجعل صعوبة الطريق سببا للتراجع.

    فالأرض التي عبر إليها أبطال أكتوبر لم تمنح لهم..

    لقد وصلوا إليها بعرقهم ودمائهم وتضحياتهم.

    والمستقبل الذي نحلم به لن يمنح لنا أيضا.

    علينا أن نعبر إليه.

    لكن سلاحنا هذه المرة سيكون مختلفا؛

    كتابا في يد طالب،

    وفكرة في عقل شاب،

    ومعملا يعمل،

    وحاسوبا ينتج،

    وكودا يكتب،

    واختراعا يحمل اسم مصر.

    في أكتوبر..

    عرف الجندي المصري طريقه.

    واليوم..

    علينا أن نعرف طريقنا.

    فالوطن الذي صنع جيلا استطاع أن يعبر..

    يستحق جيلا يستطيع أن يبني.

    أكتوبر.. حكاية وطن لا تنتهي.

    والحكاية مستمرة..

    من جندي عرف طريقه إلى النصر،

    إلى شاب يعرف طريقه إلى المستقبل.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أكتوبر.. حكاية وطن لا تنتهي..الحلقة الثالثة: الجندي المصري.. بطل يعرف طريقه..سلسلة مقالات..يكتبها الكاتب الصحفي: حافظ الشاعر Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top