• اخر الاخبار

    الجمعة، 2 أكتوبر 2026

    حين تحدّث الحجارة: من بابل وسامراء إلى أهرامات مصر..بقلم : د.فاتن السامرائي

     

     


    منذ آلاف السنين، ترك الإنسان على أرض العراق ومصر آثارًا عظيمة لم تكن مجرد حجارة صامتة، بل أصبحت صفحات مفتوحة تحكي قصص الملوك والشعوب والحضارات. فمن بابل، التي ازدهرت في بلاد الرافدين، إلى سامراء التي تألقت في العصر العباسي، وصولًا إلى أهرامات مصر التي شُيدت في وادي النيل، بقيت العمارة شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على الإبداع

    كانت بابل من أهم مدن العراق القديم، وبلغت أوج ازدهارها في عصور مختلفة، ولا سيما في عهد الملك حمورابي ثم في عهد نبوخذ نصّر الثاني.

    اشتهرت المدينة بأسوارها ومعابدها وبوابتها العظيمة، ومن أشهر آثارها بوابة عشتار التي زُينت بالطوب المزجج والرسوم البارزة للحيوانات. وكانت البوابة جزءًا من مشروع عمراني كبير في بابل خلال عهد نبوخذ نصّر الثاني.

    كما ارتبط اسم بابل بشريعة حمورابي، وهي مجموعة قوانين دوّنها الملك حمورابي على مسلة حجرية، وتُعد من أشهر المصادر التي تكشف جوانب من الحياة والقانون في المجتمع البابلي.

    وهكذا لم تكن بابل مجرد مدينة قديمة، بل كانت مركزًا سياسيًا وثقافيًا وعمرانيًا ترك أثرًا عميقًا في تاريخ بلاد الرافدين.

    وبعد قرون طويلة من ازدهار بابل، ظهرت سامراء بوصفها واحدة من أهم المدن في تاريخ العراق الإسلامي. أصبحت سامراء عاصمة للدولة العباسية في القرن التاسع الميلادي، وشهدت في ذلك العصر نشاطًا عمرانيًا واسعًا.

    ومن أشهر معالمها ملوية سامراء، التي أمر الخليفة العباسي المتوكل على الله ببنائها ضمن مشروع الجامع الكبير. وتتميز الملوية بشكلها الحلزوني الفريد، إذ يلتف حول برجها منحدر واسع يصعد تدريجيًا نحو القمة.

    كانت الملوية مئذنة للجامع الكبير، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى رمز لمدينة سامراء نفسها، وأصبحت واحدة من أشهر معالم العمارة الإسلامية في العراق.

    وتُظهر آثار سامراء مدى التطور الذي وصلت إليه العمارة العباسية، كما تمثل المدينة اليوم جزءًا مهمًا من التراث العالمي، إذ أُدرجت آثار سامراء الأثرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2007.

    وعلى ضفاف نهر النيل، نشأت الحضارة المصرية القديمة التي تركت هي الأخرى آثارًا خالدة. ومن أشهرها أهرامات الجيزة، التي ارتبطت بالفراعنة خوفو وخفرع ومنقرع.

    يُعد الهرم الأكبر، الذي بناه الملك خوفو، أشهر أهرامات الجيزة وأكبرها. وقد شُيد ليكون جزءًا من مجمع جنائزي ملكي، ويكشف حجم المشروع عن مستوى عالٍ من التنظيم والهندسة والعمل الجماعي لدى المصريين القدماء.

    وعلى الرغم من مرور آلاف السنين، ما زالت الأهرامات قائمة، وأصبح الهرم الأكبر العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب العالم القديم السبع.

    قد تبدو آثار العراق ومصر مختلفة في أشكالها ووظائفها، لكنها تشترك في شيء عظيم: أنها جعلت من الحجر ذاكرةً للتاريخ.

    ففي العراق، تحكي بابل وسامراء عن مراحل مختلفة من تاريخ بلاد الرافدين؛ من الحضارة البابلية القديمة إلى العصر العباسي. وفي مصر، تحكي الأهرامات عن قوة التنظيم والعمارة والمعتقدات في مصر القديمة.

    كما لعبت الأنهار دورًا أساسيًا في ازدهار الحضارتين؛ فقد ارتبطت مصر بنهر النيل، بينما ارتبط تاريخ العراق بدجلة والفرات. وفرت هذه الأنهار المياه وساندت الزراعة والنقل، وساعدت على نشوء المدن والمجتمعات المستقرة.

    إن الوقوف أمام آثار بابل وسامراء والأهرامات لا يعني النظر إلى أبنية قديمة فحسب، بل يعني الوقوف أمام آلاف السنين من التاريخ الإنساني. فكل جدار ونقش وعمود يحمل جزءًا من قصة أناس عاشوا وبنوا وتركوا آثارهم للأجيال.

    لقد تغيرت الدول وتعاقبت الممالك، لكن الآثار بقيت شاهدة على ما استطاعت تلك الحضارات أن تقدمه للإنسانية. ولهذا فإن المحافظة عليها ليست مجرد حماية لحجارة قديمة، بل هي حماية لذاكرة الشعوب وتراثها وتاريخها.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حين تحدّث الحجارة: من بابل وسامراء إلى أهرامات مصر..بقلم : د.فاتن السامرائي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top