• اخر الاخبار

    السبت، 3 أكتوبر 2026

    أكتوبر.. حكاية وطن لا تنتهي..الحلقة الثانية: حين هزم الماء الساتر..وانتصرت الفكرة..سلسلة مقالات يكتبها الكاتب الصحفي: حافظ الشاعر

     

     


    لم تكن قناة السويس وحدها هي المانع أمام الجندي المصري في السادس من أكتوبر..كان هناك ساتر ترابي شاهق، وتحصينات، وأسلاك، ونقاط قوية، ومنظومة دفاعية أُقيمت على الضفة الشرقية لتجعل العبور مهمة بالغة الصعوبة.

    لكن الذين خططوا للعبور كانوا يعرفون أن لكل جدار مفتاحا، ولكل مشكلة حلا، وأن المستحيل في كثير من الأحيان ليس سوى مشكلة تنتظر عقلا مختلفا.

    وهنا ظهر سلاح المهندسين المصري.

    رجال لم يكن دورهم أن يحملوا السلاح فقط، وإنما أن يحملوا معه العقل.

    كان المطلوب فتح ثغرات في الساتر الترابي حتى تتمكن القوات والمعدات من العبور. جرّبت وسائل مختلفة، ثم استقر التفكير على استخدام المياه ذات الضغط العالي لتجريف الرمال وفتح ممرات في الساتر. وتشير المصادر الرسمية المصرية إلى أن المهندسين العسكريين استخدموا مضخات المياه وفتحوا الممرات، ثم أقاموا الكباري وشغّلوا المعديات لتأمين عبور القوات والمعدات.

    تأملوا المشهد..

    ماء في مواجهة الرمال.

    قد تبدو الفكرة بسيطة عندما نعرفها اليوم، لكنها لم تكن كذلك عندما كانت تحت الاختبار.

    وهذه هي عظمة الابتكار.

    أن ترى في الشيء البسيط قوة لا يراها الآخرون.

    لقد استفاد المهندسون المصريون من خبرات وتجارب هندسية سابقة، وأجروا تجارب عديدة للوصول إلى الطريقة المناسبة للتعامل مع الساتر الترابي، حتى تحولت المياه إلى أداة هندسية حاسمة في فتح الطريق أمام القوات.

    ولم تتوقف المهمة عند فتح الثغرات.

    كان لابد من إنشاء المعابر والكباري، وتأمين انتقال القوات والمعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية، وسط ظروف قتالية بالغة الصعوبة.

    وهنا يصبح اسم اللواء أركان حرب مهندس أحمد حمدي حاضرا في ذاكرة العبور، باعتباره أحد أبرز رموز سلاح المهندسين في حرب أكتوبر، الذي ارتبط اسمه بأعمال إنشاء المعابر والكباري والإشراف على عمليات العبور تحت النيران.

    لم يكن هؤلاء الرجال ينتظرون أن تصبح الظروف مثالية.

    لقد صنعوا الحل وسط الخطر.

    وهذه ربما تكون واحدة من أهم رسائل أكتوبر إلى جيل Z.

    يا أبناء عصر الهاتف الذكي..

    يا أبناء الذكاء الاصطناعي..

    يا من تستطيعون في ثوان الوصول إلى معلومات كان العالم يحتاج سنوات للوصول إليها..

    لا تجعلوا التكنولوجيا تفكر بدلا منكم.

    استخدموها لتفكروا بصورة أفضل.

    في أكتوبر، لم تكن هناك تطبيقات للذكاء الاصطناعي تقترح الحلول، ولا أجهزة حديثة ترسم للمهندس كل خطوة، ولا شاشات عملاقة تعرض له نموذجا افتراضيا للمعركة.

    كان هناك إنسان.

    إنسان يتعلم..

    ويجرب..

    ويخطئ..

    ثم يعيد المحاولة..

    حتى يصل إلى الحل.

    وهذا هو الفرق بين مستخدم التكنولوجيا وصانع المستقبل.

    جيل أكتوبر استخدم العلم كي يعبر قناة السويس.

    وجيلنا يستطيع أن يستخدم العلم ليعبر قناة أخرى؛ قناة تفصل بين ما نحن عليه وما نريد أن نكونه.

    قناة اسمها؛

    التخلف.

    وعلى الضفة الأخرى منها يقف المستقبل.

    هناك الذكاء الاصطناعي.

    هناك صناعة البرمجيات.

    هناك الروبوتات.

    هناك الطاقة الجديدة.

    هناك الطب الحديث.

    هناك علوم الفضاء.

    وهناك اقتصاد المعرفة الذي لا ينتظر من يملك المال فقط، بل يفتح أبوابه لمن يملك الفكرة.

    ولذلك، فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يتحول إلى صورة قديمة معلقة على جدار.

    أكتوبر ليس صورة.

    أكتوبر منهج.

    فحين يقول شاب مصري اليوم؛

    "سأتعلم البرمجة"..

    أو..

    "سأخترع جهازًا"..

    أو..

    "سأبحث عن علاج جديد"..

    أو..

    "سأصنع مشروعا ينافس عالميا"..

    فهو، بطريقته، يواصل معركة البناء.

    المعركة تغيرت أدواتها، لكن الروح واحدة.

    بالأمس كان الجندي يحمل بندقيته ليحمي الأرض.

    واليوم يحمل الطالب كتابه، والباحث حاسوبه، والمهندس أدواته، والمبرمج فكرته.

    والجميع يستطيع أن يخدم الوطن من موقعه.

    #فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ لقد فتح رجال أكتوبر ثغرات في ساتر من الرمال.

    أما نحن، فعلينا أن نفتح ثغرات في جدران الجهل واليأس والخوف من المستقبل.

    فربما كان أعظم درس تركه لنا أبطال أكتوبر هو أن السؤال الصحيح ليس؛

    "هل نستطيع؟"

    وإنما؛

    "كيف نستطيع؟"

    عندما وجد المصريون الإجابة..

    عبروا.

    وعندما يبحث جيل Z عن الإجابة بالعلم والعمل والإبداع..

    سيعبر هو الآخر.

    لأن الأوطان لا تنتصر مرة واحدة.

    الأوطان تنتصر كل يوم..

    مرة في معركة،

    ومرة في مدرسة،

    ومرة في معمل،

    ومرة في جامعة،

    ومرة في مصنع،

    ومرة على شاشة كمبيوتر يجلس أمامها شاب مصري قرر أن يصنع شيئا جديدا.

    أكتوبر.. حكاية وطن لا تنتهي.

    والحكاية ما زالت تكتب..

    لكن هذه المرة، بالقلم والعلم والكود.

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أكتوبر.. حكاية وطن لا تنتهي..الحلقة الثانية: حين هزم الماء الساتر..وانتصرت الفكرة..سلسلة مقالات يكتبها الكاتب الصحفي: حافظ الشاعر Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top