حين يقول العتابُ: أحبّك… ويخشى القلبُ أنّه أحبَّ وحده
للقلب حين
يعاتب لسانان: لسانٌ يقول ما أوجعه، ولسانٌ يخفي ما أبقاه؛ فيدفع المحبوب بعبارة، ويستبقيه
برجفة، ويقول: لا أحبك، كأنما يرجوه أن يجعل هذه الـ«لا» مستحيلة. وليس العتاب نقيض
المحبة دائمًا؛ فقد يكون آخر ما تصونه المحبة من حقها في النجاة، وآخر ما يرفعه الحنين
من احتجاجٍ على اليد التي أشعلته ثم تركته يحترق. ومن هذا الموضع الدقيق، حيث يصبح
النفي استغاثةً تتنكّر، ويغدو الاتهام رجاءً يتكبّر، تفتح منى فتحي حامد قصيدتها؛ لا
على عاشقين يتبادلان وصف الهوى، بل على قلبين يتنازعان معناه: أهو ما نعلنه حين نتكلم،
أم ما نمنحه حين يُحتاج إلينا؟
«قال: أحبك».
هكذا يدخل الصوت الأول، خفيف العبارة، عظيم الدعوى؛ لا يقدّم ماضيًا يمهّد له، ولا
واقعة تشهد عليه، وإنما يضع الكلمة وحدها أمام القلب، كأنها تملك من سلطانها ما يغنيها
عن البرهان. لكن الصوت الثاني لا يستقبلها بما اعتادته اعترافات الغزل من ارتباك القبول
أو حياء الإجابة؛ إنه يقابلها بما يبدو نقضًا لها: «قالت: لا أحبك». وفي هذه المقابلة
يتأسّس جرح النص؛ فما كادت الكلمة تمدّ جسرها حتى وُضع أمامها حاجز، وما كاد الاعتراف
يعلن وصوله حتى سُئل عن تأخّره.
غير أن «لا
أحبك» لا تظلّ على المعنى الذي ابتدأت به؛ إذ يلحق بها قولها: «فمن يهواني لن يدعني
أحزن». وهنا تزلّ العبارة عن ظاهرها لتكشف باطنها: إنها تتحدث عن حبّه لها، فيما كانت،
قبل لحظة، تنفي حبّها له. وهذا الانعطاف ليس تفصيلًا عابرًا؛ إنه الشقّ الذي نطلّ منه
على اضطرابها. فالمشكلة ليست، في عمق خطابها، أنها لا تحب، بل أنها لم تعد تعرف كيف
تأمن إلى كونها محبوبة. تنفي شعورها لأنها عاجزة عن الاطمئنان إلى شعوره؛ تستردّ الاعتراف
من جهتها، حين لا تجد ما يثبّته من جهته. كأن «لا أحبك» درعٌ من الكلمات ترفعه أمام
انكشافٍ لم تعد تحتمل عريه.
وفي الفاء
من «فمن يهواني» ما يجعل الوجع حجة؛ فهي لا تكتفي بأن ترفض، بل تريد لرفضها تعليلًا،
ولحزنها ميزانًا. تنتقل من خصوصية مخاطبه إلى عموم القاعدة: «من يهواني»، كأنها تستدعي
قانونًا أعلى من خلافهما ليحكم بينهما. لكن هذا القانون نفسه مثقلٌ بتوق القلب إلى
المستحيل؛ فمن ذا الذي يستطيع أن يحب إنسانًا فيمنع عنه الحزن؟ إن قراءة العبارة بوصفها
شرطًا حرفيًا تجعل الحب تكليفًا بما لا يُطاق، أما الإصغاء إلى ما وراءها فيردّها إلى
حاجتها الأشد بساطةً والأشد إيلامًا: لا أطلب منك أن تمنع العالم من إيذائي؛ أطلب ألّا
تنضمّ إلى العالم حين يؤذيني، وألّا تجعلني أواجه وجعي ووحشتي بك في وقت واحد.
ولذلك لا
تلبث الشكوى أن تتخلّص من عمومها، وتسمّي موضع الوجع: «لن تغيب عني ولن ترحل». ليست
المسألة حزنًا كيفما اتفق، بل حزنٌ له هيئة الفراغ الذي يخلّفه شخص بعينه. وهنا يتجاور
الغياب والرحيل دون أن يتطابقا؛ فقد يغيب المرء وهو باقٍ على العهد، أما الرحيل فيحمل
إيحاء الانصراف عنه. إنها تخاف فقد الحضور، وتخاف أكثر أن يكون هذا الفقد اختيارًا.
ولعل قسوة الانتظار لا تكمن في طول المسافة وحده، بل في العجز عن معرفة معناها: أبعيدٌ
أنت لأن الطريق شاقّ، أم لأن قلبي لم يعد وجهتك؟
وحين يجيب
الرجل: «محبوبتي»، يستعيد دفءَ النداء قبل أن يواجه صلابة السؤال؛ يسميها بما يضعها
داخل محبته، ثم يقول: «أنا لن أهواكِ / بل أنا عشقتكِ». يرفع الاسم إذن، كأن رفع الاسم
كفيل برفع الشك؛ ينتقل من الهوى إلى العشق، ومن إعلانٍ قابلٍ لأن يُفهم قليلًا إلى
إعلان يريد لنفسه أن يكون كثيرًا. غير أن المفارقة أن المرأة لم تكن تطلب زيادةً في
منزلة الشعور، بل علامةً على وفائه. وهو يجيبها من قاموس المراتب، فيما تسأله من خبرة
الأيام؛ يحدّثها عن مقدار النار، وتحدّثه عن البرد الذي تركه غيابه.
وتكشف «بل»
في هذا الموضع عن أكثر من استدراك لغوي؛ إنها حركة دفاعية داخل الاعتراف. كأن المتكلم
أدرك أن «أحبك» لم تبلغ مرادها، فاستدعى «عشقتك» لتنهض بما عجزت عنه الأولى. لكن الكلام
كلما حاول أن يضاعف نفسه ازداد انكشافه أمام ما لم يفعله؛ إذ لا تستطيع صيغة التفضيل
الوجداني أن تجيب، وحدها، عن سؤال الحضور. وليس في هذا ما يثبت كذب الرجل؛ فقد يكون
صادق الشعور، ضعيف القدرة على إبلاغه بالفعل. وإنما فيه أن الصدق الباطني لا يصل دائمًا
إلى الآخر سليمًا، وأن حبًا يقيم في صاحبه ولا يهتدي إلى محبوبه قد يُحَسّ من الجهة
الأخرى بوصفه غيابًا، مهما ازدحم الداخل به.
من هنا تجيء
«كاذب أنت» أقسى من أن تكون وصفًا هادئًا، وأشد انفعالًا من أن تُتّخذ حكمًا نهائيًا.
إنها الكلمة التي ينطق بها الخذلان حين يضيق بالفروق بين من لا يحب، ومن يحب ولا يحسن
الحضور. والمهم أن القراءة لا ينبغي أن تقع أسيرة سلطان هذه التهمة، فتصدّقها لمجرد
أن قائلتها تتألم؛ فالألم شاهدٌ على الجرح، لا شاهدٌ كاملٌ على نيات من أحدثه. وفي
هذه المسافة يتنفّس النص: امرأة لا يجوز إنكار وجعها، ورجل لا يجوز اختراع إدانته.
كلاهما حاضر بصوته، وكلاهما محجوبٌ عمّا لا يقوله؛ ولذلك يبقى التأويل إصغاءً إلى الالتباس،
لا محكمةً تستعجل القصاص.
وما أشدّ
دلالة أن يعدها: «عنكِ لن أغيب أبدًا»، ثم يعطف على هذا اليقين بقوله: «لكنني أهاب
صمتي». فبين «أبدًا» و«لكنني» تنفتح المسافة بين ما يريد الإنسان أن يكونه وما يستطيع
أن يكونه. الأولى تغلق باب الاحتمال، والثانية تعيده مواربًا؛ الأولى صوت العاشق في
اكتمال أمنيته، والثانية صوت الإنسان في انكشاف عجزه. وهو لا يقول: أهاب كلامك، أو
أخشى صدّك، بل يجعل الصمتَ صادرًا عنه، والخوفَ متجهًا إليه. كأن في داخله منطقةً لا
يملك عبورها، وكأن اللغة التي يستخدمها الآن تعرف أن وراءها سكوتًا لم تستطع إبطال
أثره.
ويبلغ هذا
التناقض جماله في أن الرجل يتكلم عن صمته داخل قصيدة لا نملك منها إلا الكلام. إنه
حاضرٌ في الحوار، غائبٌ في الشكوى؛ ينطق الآن، لكنها تحاسبه على ما تركه سكوته فيها.
وبذلك لا يعود الصمت

0 comments:
إرسال تعليق