لم تعد الأزمة في مصر مجرد أرقام تعلن في المؤتمرات الصحفية،
أو بيانات تنشر على صفحات الوزارات، بل أصبحت وجعا يوميا يعيشه المواطن في رغيفه، وفاتورة
كهربائه، ودوائه، ومعاشه، وكل تفاصيل حياته. وبينما كان المصريون ينتظرون بارقة أمل
تخفف عنهم قسوة المعيشة، فوجئوا بقرار جديد برفع أسعار شرائح الكهرباء الأكثر استخداما
بين محدودي ومتوسطي الدخل، ليضيف عبئا جديدا إلى كاهل أنهكته موجات الغلاء المتلاحقة.
فالأوطان ليست مصانع لإنتاج الأرقام، ولا الحكومات آلات لإصدار
القرارات. فالوطن قلب يخفق في صدور البسطاء، وحين يثقل القلب بالأوجاع، يصبح كل قرار
جديد اختبارا لضمير من يحكم، لا لقدرة المواطن على الاحتمال.
مرة أخرى، يستيقظ المصريون على زيادة في أسعار شرائح الكهرباء
التي تمس ملايين الأسر. ويأتي القرار في وقت يرى فيه الكثير أن الأولوية كان ينبغي
أن تكون لحماية المواطن من ضغوط المعيشة، خاصة في ظل ما تواجهه البلاد من تحديات تتطلب
تعزيز التماسك المجتمعي والثقة بين الدولة والمواطن.
فالقرار يتعارض مع تعهدات سابقة بعدم زيادة الأسعار حتى نهاية
العام، وتكرار مثل هذه التراجعات يترك أثرا سلبيا في ثقة المواطنين بالوعود الرسمية،
ويزيد من شعورهم بأن كلفة الإصلاح الاقتصادي تقع في المقام الأول على عاتق الفئات الأقل
قدرة.
وفي المقابل، ما زالت ملفات عديدة تنتظر الحسم. فأزمة السيستم
الخاصة بالتأمينات والمعاشات لم تحل رغم انتهاء المهلة التي سبق الإعلان عنها. كما
انتهت المدة التي تحدثت الحكومة خلالها عن إصدار القرارات التنفيذية المتعلقة بالمنشور
الفني رقم (😎 لسنة 2026 وإنهاء ملفات التصالحات المرتبطة به، فالمواطنون
لا يزالون ينتظرون نتائج ملموسة.
ولم تغادر أزمة العدادات الكودية المشهد، إذ يصفها كثير من
المتضررين بأنها عبء إداري ومعيشي طال أمده، ويطالبون بحلول عادلة وسريعة تنهي حالة
الانتظار.
يا سادة؛إن الدولة القوية ليست تلك التي يزداد فيها ثقل الفواتير،
وإنما التي يزداد فيها رصيد الثقة. والثقة لا تبنى بالتصريحات وحدها، بل بالالتزام
بالوعود، والشفافية في مواجهة الأزمات، والقدرة على مراجعة القرارات عندما تظهر الوقائع
أنها أثقلت كاهل المواطنين.
إن المواطن المصري لم يفقد قدرته على الصبر، لكنه يتطلع إلى
أن يكون هذا الصبر شراكة في بناء المستقبل، لا ثمنا دائما يدفعه وحده. فحين يشعر الناس
بأنهم يتحملون الأعباء بينما تتأخر الحلول، يصبح السؤال مشروعا؛ كيف يمكن استعادة الثقة؟
فى النهاية بقى أن اقول؛ يبقى الأمل أن تكون مصلحة المواطن
هي البوصلة التي تهدي القرار، وأن تترجم الوعود إلى إجراءات يلمسها الناس في حياتهم
اليومية. فاستقرار الأوطان لا يتحقق فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضا بالعدل، والوفاء،
والإنصات لنبض الشارع، لأن الإنسان سيظل دائما هو الثروة الحقيقية لأي وطن.

0 comments:
إرسال تعليق