ما أقصرها من لحظات.. وما أطول أثرها في
النفوس!اهتزت الأرض تحت الأقدام، فتزلزل معها غرور الإنسان، وانكمشت أمامها كل أسباب
القوة التي يتباهى بها البشر. في ثوان معدودة، سقطت أوهام السيطرة، وانكشفت حقيقة طالما
غفل عنها الناس؛ أن الإنسان، مهما امتلك من علم وسلطان، يظل عبدا ضعيفا أمام قدرة الخالق
جل جلاله.فما إن تحركت الأرض حتى خرج الناس من بيوتهم مذعورين، لا يحمل أحدهم إلا روحه،
ولم يسأل غني عن ماله، ولا صاحب منصب عن كرسيه، ولا متكبر عن كبريائه. فالخطر حين يقترب،
تتساوى الأقدام على تراب الأرض، ولا يبقى إلا عمل صالح يرجو به صاحبه رحمة الله.
لقد أصبحت الدنيا في زماننا معبودا لكثير
من الناس. تنازعوا على المال حتى قطعت الأرحام، وتسابقوا إلى المناصب حتى ضاعت الأمانات،
واختلفوا على المصالح حتى نسوا أن بينهم يوما يقفون فيه بين يدي العدل المطلق، لا يحمل
أحدهم إلا صحيفة عمله.
وليس من حق أحد أن يجزم بأن هذا الزلزال
عقوبة على قوم أو بلد بعينه، فذلك من علم الله الذي استأثر به، ولكن من حق كل عاقل
أن يعتبر، وأن يجعل من هذه الآيات رسالة توقظ قلبه قبل أن يفاجئه يوم لا ينفع فيه الندم.
فالقرآن الكريم يخاطب القلوب قبل العقول، ويذكرنا بقوله تعالى "وَمَا نُرْسِلُ
بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا"، أي تذكيرا وتنبيها ورحمة لمن أراد أن يعود إلى
ربه.
إن الزلازل لا تهدم المباني وحدها، بل
تهز يقين الغافلين، وتكسر غرور المتجبرين، وتعيد إلى الأذهان أن هذه الحياة ليست دار
بقاء، وإنما محطة قصيرة يعبرها الإنسان إلى لقاء ربه.
فكم من مظلوم ينتظر إنصافا، وكم من والدين
ينتظران بر أبنائهما، وكم من رحم مقطوعة تنتظر وصالا، وكم من أمانة ضاعت، وكم من كلمة
جارحة لا تزال تؤلم صاحبها، وكم من قلب امتلأ بالحقد وهو قادر على العفو.
أيها الناس؛إن أخطر الزلازل ليست تلك التي
تهز الصخور، بل تلك التي تصيب الضمائر فتجعلها لا تشعر بآلام الفقراء، ولا بدموع اليتامى،
ولا بحقوق الضعفاء. فزلزال الأرض قد ينتهي بعد ثوان، أما زلزال الأخلاق إذا وقع، فقد
يمتد أثره سنوات طويلة، ويهدم أمة بأكملها.
فى النهاية بقى أن اقول؛ فلنغتنم هذه اللحظة
قبل أن تصبح ذكرى تنسى، ولنجعلها بداية لمراجعة أنفسنا، ورد المظالم إلى أهلها، وصلة
الأرحام، وإحياء الرحمة بين الناس، والإقبال على الله بقلب صادق، فباب التوبة لا يزال
مفتوحا، والعمر الذي مضى لن يعود، أما ما بقي فهو فرصة قد لا تتكرر.
اللهم احفظ مصر وأهلها، واحفظ بلاد المسلمين
وسائر بلاد العالم من كل سوء، واجعل ما نراه من آياتك سببا لليقظة والإصلاح، لا للخوف
واليأس، وألهمنا أن نستعد للقائك بقلوب سليمة، وأعمال صالحة، وألسنة تلهج بذكرك.
فإذا كانت الأرض قد هدأت.. فليت القلوب
لا تعود إلى غفلتها.

0 comments:
إرسال تعليق