لم تكن مجرد
شنطة مدرسية اختفت بين جدران فصل مزدحم، بل كانت حكاية صغيرة كشفت عن ارتباك كبير..
عن خوف يسكن القلوب أكثر مما يسكن الواقع، وعن مجتمع باتت فيه "الواقعة"
لا تقاس بحجمها، بل بضجيجها.
عاد الطفل
الصغير إلى أمه، خالي اليدين إلا من رواية مقتضبة؛"الشنطة ضاعت".
كلمتان فقط..لكنهما
في قلب أم مثقلة بالقلق تحولتا إلى جرس إنذار، لا عن حقيبة مفقودة، بل عن أمان مهتز،
وعن مدرسة يفترض أنها الحضن الثاني فإذا بها تتهم في لحظة.
لم تنتظر
الأم كثيرا..حملت هاتفها، وصورت استغاثة مشتعلة، تخاطب فيها المسؤولين، وتستدعي الدولة
كلها إلى واقعة لا نعرف بعد حجمها الحقيقي.
وخلال ساعات،
لم تعد القصة قصة أم وطفل.. بل أصبحت قضية رأي عام، تتناقلها الصفحات، وتضخمها التعليقات،
ويلبسها البعض ثوب الخطر الداهم.
ثم.. تحركت
الجهات الأمنية.
جاءت الشرطة
لا لتطارد مجرما خطيرا، بل لتفك لغز "الشنطة".
وبعد جهد
وتحقيق، انكشف المشهد على بساطته المدهشة؛الطفل لم تسرق شنطته.. بل "استبدلها"
بزميله، في صفقة طفولية بريئة، كان ثمنها.. سندوتشات لانشون!
يا لها من
نهاية.. تشبه الضحك المختلط بالحزن.نضحك من براءة الأطفال، ونحزن من فزع الكبار.
هنا أود
الإشارة من واقع هذا الحدث إلى بعض الابعاد التى انهكتنا جميعا:
#أولا: البعد
الاجتماعي.. حين يتضخم الخوف؛ما حدث ليس خطأ أم خافت على ابنها، فهذه فطرة، بل الخطأ
أن يتحول الخوف إلى اتهام جماعي، وإلى حالة ذعر عام.نحن نعيش زمنا أصبح فيه القلق أسرع
من التحقق، ورد الفعل أعلى صوتا من الحقيقة.والمشكلة أن المجتمع بات مستعدا لتصديق
الأسوأ فورا، وكأن الثقة قد تآكلت بين الناس ومؤسساتهم.
فالمدرسة
التي كانت يوما "بيت العلم"، أصبحت في نظر البعض ساحة خطر.. لا لشيء، إلا
لأننا فقدنا ميزان التروي.
#ثانيا:
البعد الإعلامي.. حين يصبح الهاتف منصة حكم ؛لم يعد الإعلام حكرا على المؤسسات، بل
صار في يد كل فرد.وهنا تكمن الخطورة..فيديو واحد، بلحظة انفعال، يمكن أن يشعل الرأي
العام، ويصنع أزمة من لا شيء.فالإعلام الجديد لا ينتظر الأدلة، بل يسبقها، ولا يتحقق..
بل ينتشر.وهنا نحن بحاجة إلى وعي إعلامي، لا يقل أهمية عن التعليم نفسه؛
أن نتأكد
قبل أن نصدر، وأن نفكر قبل أن نشعل.
#ثالثا:
البعد الأمني.. بين الواجب والاستنزاف ؛تحرك الشرطة كان واجبا، لأن أي بلاغ يؤخذ على
محمل الجد، خاصة إذا تعلق بالأطفال.لكن في المقابل، فإن تضخيم الوقائع البسيطة يستهلك
جهدا أمنيا كان الأولى أن يوجه لقضايا أخطر.
فحين تتحول
"شنطة مدرسية" إلى ملف تحقيق، فهذا يعني أننا بحاجة إلى ترشيد البلاغات قبل
أن نرهق أجهزة الدولة.
#رابعا:
البعد النفسي.. طفل يلهو وكبار يذعرون ؛الطفل لم ير في الأمر جريمة.. بل لعبة.
مقايضة بسيطة،
تعكس عالما بريئا لا يعرف حسابات الكبار.لكن رد الفعل العنيف من الأم، والضجيج المحيط،
قد يترك أثرا نفسيا على الطفل نفسه..
فيتعلم أن
الخطأ الصغير قد يفجر عاصفة، وأن البساطة قد تقابل بالعقاب أو الخوف..انظروا إلى رد
فعله ببراءة وأنه تسجل ..كان يضحك!!..فنحن بحاجة أن نربي أبناءنا على الصدق، نعم..لكن
أيضا أن نربي أنفسنا على الهدوء.
واختم مقالى
بالسؤال؛ما هو العلاج..؟!
العلاج..
لا يكمن في لوم الأم، ولا السخرية من الطفل، بل في إعادة ضبط إيقاع المجتمع كله كالتالى:
#تعليميا:
تعزيز التواصل بين المدرسة وولي الأمر، حتى لا تتحول الشكوك إلى يقين زائف.
#إعلاميا:
نشر ثقافة التحقق قبل النشر، ومحاسبة الصفحات التي تتاجر بالخوف.
#اجتماعيا:
إعادة بناء الثقة، فالمجتمع الذي يشك في كل شيء.. يفقد طمأنينته.
#نفسيا:
تعليم الأهل فن إدارة القلق، لأن الخوف إذا زاد عن حده.. انقلب إلى خطر.
#في_النهاية_بقى_أن_اقول؛
لم تكن القضية شنطة،بل كانت مرآة رأينا فيها أنفسنا؛كيف نخاف، وكيف نضخم، وكيف ننسى
أن الحقيقة.. أحيانا تكون أبسط مما نتصور.
شنطة ضاعت..لكن
الأهم أن لا يضيع منا العقل، ونحن نبحث عنها!!.

0 comments:
إرسال تعليق