• اخر الاخبار

    الجمعة، 24 أبريل 2026

    (( أزمة سكان أم أزمة سياسات؟؟ ))..بقلم : د عمر عبد الجواد عبد العزيز

     


    سؤال إلى الحكومة وإلى كل اقتصادي وسياسي في مصر ....هل لدينا أزمة سكان أم أزمة سياسات ؟؟

    كيف استطاعت الصين، بعدد سكان يقترب من مليار ونصف إنسان، أن تحوّل الكثافة السكانية إلى قوة إنتاجية تقود العالم ؟؟

    رغم الضغوط الخارجية، من أزمات عالمية من كورونا الي حرب روسيا مع أوكرانيا الي الحرب الدائرة الآن بين أمريكا و إسرائيل مع إيران..و تأثير هذه الأزمات علي مستلزمات الإنتاج ؛ يتوقع أن يصل حجم الاقتصاد الصيني إلى حوالي 20 تريليون دولار بحلول نهاية 2026، مع الحفاظ على معدلات نمو تقارب 5%.

    ​حيث تكمن قوة الصين الحالية في تحولها من "مصنع العالم" إلى "مختبر العالم"، و يمتزج حجم السوق الضخم مع طموح تكنولوجي لا يلين للوصول إلى السيادة التقنية الكاملة.

     

    بينما تعجز مصر—بأكثر من 120 مليون مواطن—عن تحويل نفس الكتلة البشرية إلى قوة اقتصادية حقيقية؟

    هل المشكلة في تعداد السكان … أم في الإدارة؟

    في الإمكانيات… أم في طريقة استخدامها؟

    في المواطن… أم في من يدير هذا المواطن؟

    الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها:

    مصر لا تعاني من زيادة سكان… بل من سوء استغلال البشر. المواطن المصري يثبت نجاحه في كل مكان خارج حدود بلده. ينجح حين تتوفر له بيئة عمل حقيقية ، وعدالة في الفرص.

    لكن داخل بلده؟ يتحول إلى رقم… أو عبء… أو ضحية سياسات لا ترى فيه إلا مستهلكًا، لا منتجًا.

     

    في حين نجد أن الصين  استثمرت طاقتها البشرية من خلال استراتيجية طويلة الأمد حولت "العبء السكاني" إلى "قوة إنتاجية"، وذلك عبر التركيز على ثلاثة محاور رئيسية: التعليم، التدريب المهني، والتحول التكنولوجي.

    ​فيما يلي أبرز الركائز التي اعتمدتها الصين:

    أولا_ الثورة التعليمية وتطوير تطوير المهارات الأساسية

    حيث ركزت الصين منذ عقود على محو الأمية وتعميم التعليم الأساسي، ثم انتقلت إلى جودة التعليم العالي:

    • ​التركيز على مجالات STEM: وجهت الدولة ملايين الطلاب نحو العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات، مما خلق قاعدة ضخمة من المهندسين والعلماء.

    • ​ربط التعليم بسوق العمل: يتم تحديث المناهج باستمرار لتلبية احتياجات المصانع والشركات التكنولوجية الكبرى.

    ثانيا _نظام التدريب المهني

    تعد الصين صاحبة أكبر نظام للتعليم المهني في العالم. فهي لا تكتفي بالخريجين الأكاديميين، بل تركز على "العمالة الماهرة":

    • ​مراكز التدريب التقني: تم إنشاء آلاف المعاهد التي تدرب الشباب على الحرف الصناعية الدقيقة والإلكترونيات.

    • ​الشراكة مع المصانع: تتدرب العمالة داخل بيئات العمل الحقيقية، مما يضمن جاهزية فورية للإنتاج بمجرد التخرج.

    ثالثا_ الانتقال من الكثافة الي الجودة.

    مع ارتفاع تكلفة الأيدي العاملة، لم تعد الصين تعتمد فقط على كثرة العدد، بل انتقلت إلى رأس المال البشري النوعي:

    • ​الابتكار والرقمنة: تم تدريب القوى العاملة على التعامل مع الأتمتة (الروبوتات) والذكاء الاصطناعي، مما رفع من إنتاجية الفرد الواحد بشكل كبير.

    • ​دعم ريادة الأعمال: شجعت الحكومة الشباب على تأسيس شركات ناشئة، مما حول الملايين من مجرد "موظفين" إلى "مبتكرين" وملاك أعمال.

     

    رابعا_ أستراتيجية تنمية المواهب

    أطلقت الصين برامج لجذب العقول الصينية المهاجرة للعودة (مثل برنامج "ألف موهبة")، واستثمرت في نقل الخبرات العالمية إلى الداخل لتدريب الكوادر المحلية.

    ​و الصين لم تستثمر في البشر كمجرد أيدي عاملة رخيصة، بل استثمرت فيهم كعقول منتجة قادرة على قيادة التحول الصناعي من "صنع في الصين" إلى "ابتكر في الصين".

    و اصبحت  الصين تتمتع  في عام 2026 بمجموعة من نقاط القوة الاستراتيجية التي تجعلها لاعباً محورياً في الاقتصاد العالمي والابتكار التكنولوجي.

    يمكن تلخيص هذه النقاط في المحاور التالية:

    ​1. الريادة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي

    • ​مشروع "AI Plus": تركز الصين على دمج الذكاء الاصطناعي في صلب الصناعة والخدمات، مما يعزز الإنتاجية ويخلق قطاعات اقتصادية جديدة.

    • ​الاكتفاء الذاتي التقني: ضمن الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، وضعت الصين "التنمية عالية الجودة" والاعتماد على الذات في تقنيات مثل أشباه الموصلات كأولوية قصوى لمواجهة التحديات الجيوسياسية.

    ​2. القوة الصناعية وسلاسل الإمداد

    • ​نظام صناعي متكامل: تمتلك الصين النظام الصناعي الأكثر شمولاً في العالم، مما يمنحها مرونة هائلة في التصنيع من المواد الخام إلى المنتجات النهائية.

    • ​التحول نحو الجودة: انتقلت المصانع الصينية من إنتاج السلع الرخيصة إلى التصنيع المتقدم، مع التركيز على "القوى الإنتاجية الجديدة" (New Quality Productive Forces).

    ​3. السيادة في الطاقة المتجددة

    • ​المركز الأول عالمياً: تعد الصين المنتج الأكبر للألواح الشمسية، توربينات الرياح، وبطاريات الليثيوم.

    • ​تخزين الطاقة: في عام 2026، برزت كقائد في تقنيات تخزين الطاقة وإدارة الشبكات الذكية، مما يدعم استدامتها الطاقوية.

    ​4. رأس المال البشري والسوق الضخم

    • ​خريجو STEM: تخرج الصين سنوياً أكثر من 5 ملايين طالب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهو ما يوفر مخزوناً بشرياً هائلاً للابتكار.

    • ​أكبر سوق استهلاكي: يمنحها حجم السوق المحلي القدرة على اختبار الابتكارات (مثل الدرونز التجارية والمركبات ذاتية القيادة) وتوسيعها بسرعة لا تتوفر في دول أخرى.

     

    اذن أين الخلل في مصر ؟

    الخلل ليس في الشعب… بل في فلسفة إدارة الدولة للاقتصاد إنفاق ضخم على مشروعات لا تخلق إنتاجًا مباشرًا

    علي سبيل المثال مشروع طلعت مصطفي والذي يتكلف 27 مليار دولار لإنشاء مجمع سكني ..في ظل الأزمات المتلاحقة الخارجية وتأثيرها علي ارتفاع أسعار المواد الخام و مستلزمات الإنتاج.. نجد أن كل المشروعات  لفئات خاصة ...من عاصمة إدارية جديدة ...لابراج العلمين ...لقري في الساحل الشمالي ..وكلها بقروض من ايداعات المصريين في بنوك مصرية بضمان المشروع  .. لماذا لم تستغل هذه القروض في مشاريع إنتاجية.

    27 مليار دولار...كان يمكن تخصيصها لانشاء قلاع سواء في الصناعة

    27 مليار دولار...كان يمكن تخصيصها لانشاء قلاع سواء في الصناعة او الزراعة او تجارة الخدمات..في الاسكندرية في الدلتا في القاهرة في شمال وجنوب الصعيد .لتشجيع القطاع الخاص علي الانتاج و التصدير بدلا من الاستثمار العقاري ...وملايين الشقق فارغة  ؛تعدي سعرها الملايين ولا تتناسب مع غالبية الشعب المصري  ..و ارتفع معدل التضخم و انهار الجنيه المصري امام الدولار ....لابد من الإنتاج ثم الإنتاج

    ...ليعود بالفائدة علي المواطن المصري..متي نري الشوربجي و شملا و الشبراويشي و منصور للزجاج  و طلعت حرب جديد و غيرهم من رجال الأعمال المصريين  حتي نتوقف او علي الاقل نحد من الاستيراد ..و نأكل مما نزرع و نلبس مما نصنع ؟؟ .

     

    ونتيجة التوجيه الخاطئ نجد ضعف واضح في دعم الصناعة والتصدير ؛ الي جانب تعليم لا يرتبط بسوق العمل مع غياب رؤية حقيقية لتحويل الشباب إلى قوة إنتاج .

     

    الصين لم تنجح بالكلام… بل بالقرارات الصعبة

    الصين لم تقل لشعبها “اصبروا 30 سنة وستفهمون”…

    بل وضعت خطة واضحة: مصانع… تصدير… تشغيل… إنتاج. حوّلت المواطن من مستهلك إلى منتج.

    ومن عبء إلى محرك اقتصاد.

    و الأخطر من ذلك… تزييف الوعي

    حين يُقال للمواطن إن المشكلة في “فهمه”،

    أو إن ما يحدث الآن “إنجاز لن تدركه الأجيال الحالية”،

    فهنا لا نتحدث عن إدارة أزمة… بل عن محاولة لتبريرها.

     

    مصر ليست دولة فقيرة في البشر… بل دولة غنية بمواردها البشرية، لكنها مُعطّلة بقرارات لا تضع الإنتاج في المقدمة.

     

    والسؤال الذي لا مفر منه: إلى متى سيظل المواطن  ثمن سياسات لم تُحوّله إلى شريك في الإنتاج… بل أبقته خارج المعادلة و عبء علي الدولة ؟

    الدول لا تتقدم بعدد سكانها… بل بقدرتها على تشغيلهم.

    وحتى يحدث ذلك، سيظل الفرق بيننا وبين دول مثل الصين ليس في العدد… بل في الإرادة.

    فهي أزمة سياسات وليست أزمة سكان .

    حفظ الله الوطن

    **كاتب المقال

    عضو الهيئة العليا لحزب الوفد.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: (( أزمة سكان أم أزمة سياسات؟؟ ))..بقلم : د عمر عبد الجواد عبد العزيز Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top