الحالة ضبابية الآن ، توقف إطلاق النارعلى جبهة إيران بعد اتفاق طهران وواشنطن بوساطة باكستان ، الذى قضى بتعليق إطلاق النار لمدة أسبوعين ، تجرى خلالهما مفاوضات فى "إسلام أباد" على أساس النقاط الإيرانية العشر باعتراف الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" نفسه ، بينما رد "المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى" بما يؤيد عموما ما جاء فى "إعلان ترامب" ، وتراجعه المفاجئ قبل 90 دقيقة من موعد تنفيذ الهجمة الساحقة الماحقة التى هدد بها إيران ، وتعهده البذئ بمحو حضارة إيران بكاملها ، والتدمير الشامل لبنية إيران التحتية المدنية من محطات طاقة وكهرباء ومياه وجسور وشبكات سكك حديدية ، وكان وقع تراجع "ترامب" غضبا مكتوما فى كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، الذى أبدى قادته تجاوبا فى وقف الهجمات والغارات على إيران ، بينما راح "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو ينفس عن غضبه على جبهة لبنان ، ويأمر جيش الاحتلال بتنفيذ أعنف موجة غارات على كامل الأراضى اللبنانية ، ومن جنوب لبنان ومدينة "صور" إلى قلب العاصمة اللبنانية بيروت ، وشن مئة غارة همجية بخمسين طائرة فى عشر دقائق ، شملت كل أحياء بيروت السكنية الكبرى ومناطق جبل لبنان ، وبما يتعدى تركيز غارات العدوالاعتيادى على البيئة الاجتماعية لحزب الله فى "الضاحية الجنوبية" و"البقاع" والجنوب ، ويضيف مئات الشهداء والجرحى إلى أحزان لبنان فى غمضة عين ، رغم أن رئيس الوزراء الباكستانى "شهباز شريف" أعلن غداة الاتفاق عن طابعه الشمولى ، وأن وقف إطلاق النار المتفق عليه يشمل لبنان مع إيران . وقد تسعى باكستان مع الوسطاء فى مصر وتركيا إلى الضغط على واشنطن ، ومطالبتها بردع التوحش "الإسرائيلى" فى لبنان ، وإن كان لا يبدو أن "ترامب" متحمس لضغط فورى على "نتنياهو" ، فالرئيس الأمريكى يعطى الأولوية لترتيب خروجه شخصيا من الحرب على إيران ، التى تورط فيها بتحريض من "نتنياهو" ، وتحت إغواء خوض عملية خاطفة تنتهى بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران ، والبدء بقطع رأس النظام ممثلا بقائده الأعلى الراحل "على خامنئى" وعشرات من القادة العسكريين الكبار ، ثم تعهد "الموساد" الإسرائيلى بترتيب ثورة شعبية جماهيرية تخلع النظام من جذوره ، ثم أثبتت وقائع الحرب الأربعين يوما ، أن وعد الإسقاط السريع للنظام الإيرانى محض وهم وسراب ملون ، وأن النظام جدد نفسه فى نسخة أكثر راديكالية وحيوية وتشددا ، وصمد على نحو مذهل فى وجه عشرات آلاف الغارات الأمريكية و"الإسرائيلية" ، وراح يرد الضربات بثبات ، بل ويطور إمكاناته المتواضعة فى الدفاع الجوى ، وينجح فى إسقاط عدد من الطائرات الأمريكية ، ربما كان أشهرها واقعة إسقاط قاذفة "إف ـ 15" ، وما دار بعدها من ألغاز يكتنفها الغموض حول مصير طياريها .
راح "ترامب" يقيم الأفراح والليالى الملاح
احتفالا بعملية إنقاذ "هوليودية" للطيار الأول ثم للطيار الثانى بالذات
، بينما كانت الرواية الإيرانية مختلفة ، وتحدثت عن الفشل الأمريكى فى عملية
"أصفهان" ، حيث جرى إنزال قوات خاصة أمريكية لالتقاط مئات الكيلوجرامات من
اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، وأن دعوى البحث عن الطيار الأمريكى
المفقود كانت مجرد قناع تمويه ، وأن القوات الإيرانية نجحت فى ضرب وتحطيم طائرتى الإنزال
الأمريكى العملاقتين من طراز "130 ـ c"
، وإسقاط عدد آخر من طائرات الهيليكوبتر "بلاك هوك" ، وأن خروج عشرات الطائرات
الأمريكية كان هروبا وليس نجاحا لعملية الإنقاذ المزعومة ، ويبدو أن صدمة الفشل جعلت
"ترامب" يقرر التراجع بعد الوصول بعملية التصعيد إلى أعلى مدى ، وتجاوب
"ترامب" مع عملية إبادة إيران ، التى شجعه عليها "نتنياهو" ، وأغراه
باحتمالات نجاحها فى الخلاص خنقا من النظام الإيرانى ، ومعاقبة الشعب الإيرانى الذى
تخلف عن القيام بدوره المرسوم "إسرائيليا" ، وصدمة خروج ملايين الإيرانيين
لدعم النظام وقائده الجديد المتوارى "مجتبى خامنئى" ، ورغم إعلانات متكررة
صدرت عن "ترامب" ، أعلنت النصر الساحق الصاخب لأكثر من عشرين مرة ، فإنه
كان يعرف فى قراره نفسه أنه يكذب ، وأن نصرا ما لم يتحقق ، وأن خطط الغزو البرى التى
عرضت عليه ستكون مهلكة للأمريكيين ، ووجد سبيل الخلاص على طريقته "البهلوانية"
، صعد بالتهديد اللفظى إلى أبعد مدى ، ثم نزل عن الشجرة العالية فى اللحظة الأخيرة
، وأعلن عن وقف النار الموقوت لأسبوعين وإجراء مفاوضات مع الإيرانيين على أساس نقاطهم
العشر ، ورفع هذه المرة راية "فتح مضيق هرمز" ، التى كان تملص منها مرات
فى تصريحات متعجرفة أهانت الحلفاء الآسيويين والأوروبيين .
ويبدو أن الإيرانيين أحرزوا نجاحا فى التفاوض
السرى ، أو مايسمونه "تبادل الرسائل" مباشرة أو عبر الوسطاء ، وجعلوا قضية
"مضيق هرمز" فى صدارة المشهد ، ومقابل توارى قضايا إسقاط النظام والبرنامجين
النووى والصاروخى ، ومعروف أن "ترامب" كان قدم إطارا للتفاوض من 15 نقطة
، تتمحور فى أغلبها حول تجريد إيران من برنامجيها النووى والصاروخى ، وهو ما رفضه الجانب
الإيرانى بالجملة ، واعتبر النقاط الأمريكية وصفة استسلام ، وقدموا للجانب الباكستانى
الوسيط إطارا آخر للتفاوض من عشر نقاط ، ليس فيها ذكر للبرنامج الصاروخى باعتباره خارجا
عن أى نقاش ، وبصفته أمرا من صميم السيادة الإيرانية ، ولم تذكر إيران فى نقاطها العشر
شيئا عن برنامجها النووى ، اللهم سوى التأكيد على حقها فى تخصيب اليورانيوم على أراضيها
، وهو ما ذكره مجلس الأمن القومى الإيرانى فى تعقيبه المباشر على إعلان "ترامب"
المتراجع عن الضربة الماحقة التى كانت موعودة ، وانصرفت أغلب نقاط الوصفة الإيرانية
المنقولة للأمريكيين ـ عبر الوسطاء الباكستانيين بالذات ـ إلى اعتبارات أخرى ، على
رأسها وقف الحرب بكاملها وعلى كافة الجبهات لا مجرد وقف إطلاق نار موقوت ، وتعهد أمريكا
بعدم العودة أبدا لشن الحرب ، وإزالة كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وعلى
كافة المتعاملين معها ، واستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى يقر برفع هذه العقوبات
نهائيا ، وإدارة "مضيق هرمز" على نحو يعطى أولوية للسيادة الإيرانية عليه
، وربما بالتنسيق مع شركاء المضيق خاصة "سلطنة عمان" ، وتقديم تعويضات ضخمة
لإيران ، والإفراج عن أموالها المجمدة فى الخارج ، وإقرار حق إيران ـ مع "عمان"
أو بدونها ـ فى تحصيل رسوم على السفن وناقلات البترول والغاز العابرة للمضيق ، وهو
ما بدا ظاهرا فى التعليق الفورى الرصين الذى صدر عن وزير الخارجية الإيرانى "عباس
عراقجى" ، الذى أكد استعداد طهران لفتح المضيق بشرط التنسيق مع قواتها المسلحة
، وبدا الموقف الإيرانى متشجعا بمدواولات مجلس الأمن التى جرت فى ذات ليلة تراجع
"ترامب" ، وشهدت استخدام الصين وروسيا لحق النقض "الفيتو" لإسقاط
أى تلويح بتفويض قوة دولية لفتح المضيق الذى تتحكم به إيران ، كذا تصريحات أنطونيو
جوتيريش" الأمين العام للأمم المتحدة ، الذى وصف اعتزام الهجوم على البنية التحتية
المدنية الإيرانية بأنه "جريمة حرب" .
ومع كل هذه التطورات ، ودعم الصين المعلن للوساطة
الباكستانية ، تراجع "ترامب" مرغما ، ومن وراء قناع البحث عن سلام دائم فى
الشرق الأوسط ومع إيران ، وأعلن قبوله التفاوض على قاعدة المطالب الإيرانية العشرة
، واعتبرها أساسا عمليا قابلا للتفاوض ، وأعلن أنه يتحدث باسم أمريكا وكل أطراف الشرق
الأوسط المتحالفة معها ، فيما بدا كانتصار إيرانى ظاهر فى اليوم الأربعين للحرب ، ولم
تعلق أغلب دول الخليج المعنية ، فيما اتجهت "إسرائيل" لعرقلة الاتفاق ، وفصل
جبهة لبنان عن جبهة إيران ، وساد الانطباع المتكرر عن سلوك واشنطن فى كل مرة تدخل
، وهو أن أمريكا تبيع الحلفاء والتابعين عند أقرب ناصية ، والتأكيد المضاف على قاعدة
أن "المتغطى بالأمريكان عريان" ، فيما بدت إيران كمفاوض بارع ، تمد صمودها
المذهل فى ميادين القتال إلى موائد المفاوضات ، وتنطلق من أولوية استقلالها الوطنى
وحقوقها الثابتة فى دعم برامجها الدفاعية وصياغة العلاقات مع حلفائها ، ولم يعد من
كلام أمريكى ولا "إسرائيلى" عن إسقاط النظام الإيرانى ، الذى أثبت تماسكه
وصلابته وحيويته فى ميادين الخطر الكبرى ، ومع انتصار إيران ونجاتها من المحنة ، ذهب
مشروع الشرق الأوسط "الإسرائيلى" فى خبر كان أو كاد .
وتبدو الصورة بعد أربعين يوم حرب ظاهرة بملامحها
الأبرز ، فلم تنتصر أمريكا ولا "إسرائيل" ، ولم يتحقق للعدوان هدفه الأول
المعلن فى إسقاط النظام الإيرانى أو استبداله ، وكان ذلك أمرا متوقعا عند كل عاقل
، ولم تنهزم إيران ولا خرجت من حلبة القتال وسياسة المنطقة ، حتى مع احتمال تجدد الحرب
بعد هدنة الأسبوعين ومفاوضاتها التى قد تتعثر ، لكن ما جرى حتى اليوم ، يمنح الجانب
الإيرانى ثقة مضافة فى خطته الأساسية ، ومقتضاها توسيع الحرب فى الجغرافيا وإطالة مداها
الزمنى ، وخوض حرب استنزاف متصلة ضد العدوان الأمريكى "الإسرائيلى" .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق