منذ أن انطلقت إذاعة القرآن الكريم من قلب ماسبيرو، لم تكن مجرد موجة صوتية تعبر الأثير، بل كانت نبضا روحيا يسري في وجدان الأمة، وصوتا مصريا خالصا حمل كتاب الله إلى كل بيت، وكل قلب، وكل ركن في الدنيا. كانت مدرسة في التلاوة، ومنبرا للسكينة، وذاكرة لا تزال تعيش في ضمير أجيال تربت على صوت الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ومن بعدهم كوكبة من العمالقة مثل الشيخ حمدى الزامل .. الذين منحوا أعمارهم لخدمة كتاب الله.
غير أن القرارات
الأخيرة المتعلقة بالخريطة الجديدة لإذاعة القرآن الكريم، والتي جاءت في عهد أحمد المسلماني،
فتحت بابا واسعا من الجدل، وأثارت تساؤلات مشروعة لدى قطاع كبير من محبي الإذاعة وعشاق
تراثها الممتد. فرغم أن التصريحات الرسمية تؤكد أن الهدف هو "إعادة مجد الإذاعة"
وتطوير حضورها وانتشارها ، فإن المتلقي البسيط، الذي عاش سنواته على أصوات الشيوخ الكبار،
يشعر بأن شيئا من الهيبة القديمة قد تراجع.
إن القضية
هنا ليست رفضا للتطوير من حيث المبدأ، فالتطوير سنة الحياة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل يجوز أن يأتي التطوير على حساب التراث؟ وهل يمكن أن تختزل ذاكرة إذاعة بحجم إذاعة
القرآن الكريم في خريطة برامجية تقلص حضور الأصوات التي شكلت وجدان الأمة؟
لقد كان
من المؤلم لكثيرين أن تقل مساحة إذاعة تلاوات عمالقة مثل الشيخ محمد الليثي، والشيخ
السيد متولي، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، وغيرهم من القراء الذين لا تزال أصواتهم
قادرة على أن تهز القلوب وتوقظ الروح. هذه الأسماء ليست مجرد قراء مروا على الميكروفون،
بل هي جزء أصيل من الهوية السمعية لمصر، ومن القوة الناعمة التي صدرت فن التلاوة المصرية
إلى العالم.
وإذا كنا
نتحدث بصراحة، فإن أحمد المسلماني، منذ بداياته في العمل الصحفي والإعلامي، عُرف دائما
بقدرته على إثارة الانتباه وصناعة الجدل، بل إن كثيرا من خطواته المهنية كانت تحمل
الطابع اللافت والمختلف، وهو أمر قد يكون محمودا في ساحات السياسة والإعلام العام،
لكنه حين يمتد إلى إذاعة لها قدسية خاصة مثل إذاعة القرآن الكريم، يصبح الأمر بحاجة
إلى قدر كبير من الحساسية والوعي بخصوصية المكان والمكانة.
إن إذاعة
القرآن الكريم ليست مساحة للتجريب، ولا ساحة لإثبات الحضور الإداري، بل هي إرث أمة
كاملة. هنا صوت الشيخ محمد رفعت الذي كان يوقظ القلوب قبل الآذان، وهنا ترتيل الحصري
الذي علم أجيالا مخارج الحروف، وهنا خشوع المنشاوي، وجلال مصطفى إسماعيل، وروحانية
البنا. حتى اليوم لا يزال كثير من المستمعين يحنون إلى تلك الأصوات ويطالبون بعودتها
بصورة منتظمة، لأنهم يرون فيها السكينة والوقار والهيبة التي صنعت مجد الإذاعة. كما
يظهر بوضوح في تفضيلات المستمعين المعاصرين، لا تزال أسماء مثل الحصري والمنشاوي وعبد
الباسط ورفعت تتصدر وجدان الناس.
فى النهاية
بقى أن اقول؛إن الحفاظ على التراث لا يتعارض مع التطوير، بل إن التطوير الحقيقي يبدأ
من احترام الأصل، ومنح الرواد حقهم في البقاء داخل ذاكرة البث اليومي. فهؤلاء الشيوخ
وهبوا حياتهم للقرآن الكريم، وكان أقل الوفاء أن تبقى أصواتهم تلمع في سماء الأثير
كما كانت.
لعل الرسالة
الأهم اليوم هي أن تعود إذاعة القرآن الكريم إلى هيبتها المعهودة، وأن يعاد الاعتبار
لذاكرتها الذهبية، حتى تبقى كما عرفناها دائما؛ إذاعة للروح، ومنارة للقرآن، وملاذا
للقلوب.

0 comments:
إرسال تعليق